مكثتُ مدّةً مع كتاب النبوات لابن تيمية، فبدا لي أن مقولةً واحدةً عليها مدار الكتاب، وإن لم يجمعها المؤلف في فصلٍ واحد، ولم يسقها بهذا اللفظ؛ تراها مبثوثةً في تضاعيفه، ويردّ إليها الكلام كلما تشعّبت مسالكه: أن برهان النبوّة لا يُحبس في خرق العادة، ولا يُقصر على عصًا تنقلب حيّةً، أو بحرٍ ينفلق فِرَقًا؛ بل النبيُّ نفسه من أعظم براهين نبوّته: صفاته وأفعاله، وأمره وخبره، وسيرته في خاصته وعامته. يقول ابن تيمية: "وسيرة الرسول ﷺ من آياته، وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته".
وبعبارةٍ أخرى، لعلّ المألوف المتصل أبلغُ دلالةً من المعجز المنفرد؛ فالمعجزة تقع مرةً، فيشهدها قوم، ثم تستحيل خبرًا لمن وراءهم؛ أما السيرة فآيةٌ مقيمة، ومعجزةٌ مستأنفة في كل يوم: يشهد بعضُها لبعض، ويصدّق آخرُها أولَها، وتتساند دقائقها حتى ينتظم العمر كلُّه في برهانٍ واحد؛ فلا تعود الدلالة حادثةً خارجةً عنه، بل يغدو هو نفسه دليلًا على ما جاء به…
صدقته خديجة قبل انشقاق القمر؛ لم تستدل بحادثة غريبة، بل استدلت بمحمد على محمد: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"...يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويكون في مِهنة أهله؛ ويركب الحمار، ويُردف خلفه؛ ويمشي في الأسواق كما يمشي الناس؛ ويأكل مما يأكلون، ويجوع حتى يمر الشهر ولا توقد في بيته نار…
يخدمه أنس عشر سنين، وهي مدةٌ كافية لأن يسقط فيها تكلّف المتكلّف، ثم قال: ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟
وتأخذ الأَمَة بيده، فتمضي به في سكك المدينة حيث شاءت، فلا يستعلي عليها بقدره، ولا يستعجلها لشغله؛ وتستوقفه امرأة "في عقلها شيء"، فيهب لها من وقته، ويمضي معها في بعض الطرق حتى تنقضي حاجتها، ويجذبه الأعرابي من ردائه جذبةً تؤثر في عنقه، ثم يغلظ في المسألة، فيلتفت إليه ضاحكًا، ويأمر له بعطاء، ويبول آخر في المسجد، فيثور إليه الناس، فيكفّهم عنه، ثم يطهّر الموضع بدلو من ماء، ويمر بالصبيان فيبدأهم بالسلام، ويموت طائر أبي عمير، فيواسيه، ويحفظ للصغير حزنه، ويدخل الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء صبي فيخففها، وتغيب المرأة السوداء التي كانت تقمّ المسجد، فيفتقدها ويسأل عنها، ويصلي عليها؛ وينسى الناس جليبيبًا بين القتلى، فلا ينساه، ويقول: "لكني أفقد جليبيبًا"، ويمرض غلام يهودي كان يخدمه، فيذهب إليه عائدًا، ويجلس عند رأسه؛ وتمر به جنازة يهودي فيقوم لها، فلما عجبوا قال: "أليست نفسًا؟"، ويشفع لمغيث عند بريرة، فتقول: أتأمرني يا رسول الله؟ فيقول: "إنما أنا أشفع". فتأبى الرجوع، فلا يغضب لردّها، ولا يستعير سلطان النبوّة ليقهر امرأةً على اختيارها، ويمازح زاهرًا، وكان دميم الخِلقة، فيقول زاهر: تجدني كاسدًا، فيجيبه: "لكنك عند الله لست بكاسد"، ويغلظ عليه صاحب دَين، فيهمّ به أصحابه، فيقول: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالًا"، ويؤتى بشارب الخمر، فتقام عليه العقوبة، ثم يلعنه بعض القوم، فيقول: "لا تعينوا عليه الشيطان"، ويوم الطائف يأتيه الانتقام طائعًا، فيأبى مطاوعة الملك أن يطبق على القوم بجبلين، ويرجو الخير في أبناء من آذوه، ويوم حنين يجد الأنصار في أنفسهم، فلا يسفّه عتبهم، ولا يجبههم بفضل النبوّة عليهم؛ بل يخلو بهم دون الناس، ويسمع منهم، ويذكر فضلهم، ثم يملأ قلوبهم حتى يبكوا، ويوم الفتح يدخل مكة مطأطئ الرأس، حتى تكاد لحيته تمسّ رحله، ويموت ابنه إبراهيم، وتنكسف الشمس، فيقول الناس: كسفت لموته؛ قيرد قولهم، ويقول: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، وتُرمى عائشة في حادثة الإفك، ويتأخر الوحي، فلا يخترع خبرًا يريح قلبه، ولا ينسب إلى السماء ما لم تقله؛ بل يسأل ويستشير وينتظر حتى يحكم الله.
فهذه الأحوال ليست رقائقَ تُلحق بدلائل النبوّة، ولا أخبارًا يُستملح بها؛ إنما هي من صميم الدليل ولُباب البرهان: فالخارق يشهد للنبي مرة، وأخلاقه تشهد له في كل ساعة، حتى يغدو مجموع عمره آيةً على ما جاء به.


