حرب الوصول لا حرب الأصول !
————-
تفكَّرتُ في منشأ أفكار ومعتقدات كثير من أبناء جيلي، فإذا بي أخلُص إلى نتيجةٍ أنَّ المؤثر على القناعات تلك هي ما يصل أولاً إلى عقولِهم، ثم تغذيه بعض البيئات المحيطة الداعمة..
فلا يخفى علينا - نحن أبناء الخوارزميات الرقمية - ما تُملي لنا أطباق وسائل التواصل من مقترحاتٍ تُعين على ترسيخ أفكار معينة، ثم تديم إعطاء تلك الاقتراحات حتى تتحول إلى قناعة راسخة، تارةٍ بالإقناع، وتارةً بإسقاط الآخر، وتارةٍ بخلق الانتماء، وتارةٍ بتقديم المغريات العقلية والنفسية، والإجابة على الأسئلة الملِحَّة والشائعة، وكلُّها تتنافَسُ فيمَن يستقطب هذا الشاب أولاً !
فأول طُعمٍ يأكله الشاب في أول بلوغه وانفتاحه على وسائل التواصل، هو الطُعم الذي سيستمر عليه لاحقاً غالباً، ويتخذه منهجاً وقدوةٍ وسبيلاً ومسلكاً وانتماءً، وقلَّما يغيِّرهُ !
فإذا تلقَّفتْهُ أيدي التافهين، صارت التفاهة له عنواناً، وإنْ تلقَّفتْهُ أيدي المصلحين، صار الإصلاح منهج حياته، وإذا تلقَّفتْهُ أيدي المسقطين للآخرين الهادمين للمشاريع، امتلك هذا الفكر والمنهج وظنَّ بعدها أنه (طالبٌ للعلم) !
لكن! ما واجب المصلحين؟
ربما يكون السؤال الأول هو: ماذا أعددنا لهم من الفكر ومناهج التربية والإصلاح و(الأصول) التي سيُبنَون عليها؟
لكن في الحقيقة، لمَّا كانت الحرب حربُ سرعةِ وصولٍ لقلب هذا الناشئ، فعلينا أن نسأل قبل (أصول) هذا الإعداد، ماذا أعددنا من خططٍ لضمان (وصول) تلك المناهج والبرامج إلى أولئك الناشئين والشباب؟
وهنا تبرُز أهمية معرفة الإعلام الحديث، ومعرفة أساسيات التسويق والنشر، ومناسبة أسلوب الدعاة والمصلحين لقلوب أولئك الناشئة والشباب، ومعرفة ما يحتاجون وما يريدون وما يدخل إلى قلوبهم أسرعُ من غيرهم، دونَ المساس بأصول الدين طبعاً..
وربَّما يترفَّع بعض المصلحين عن ربط مصطلح (تسويق) في مجال الدعوة والإصلاح، ظانَّاً منه أنَّ الحق أبلج، وأنَّ المستمِع له سينقاد حينما يسمعه، فأجيبه: هَل استطعت أنْ تصل إليه أصلاً حتى يسمعه؟ أم سبقَك ألف ألفِ تافهٍ وضالٍ إلى هذا الهدف الثمين؟
فإنْ كانت أساليب التسويق يستعملها أهل الدنيا جميعاً، بتعدِّد أفكارهم ومناهجهم، أفلَيسَ أهل الحق والإسلام أولى بذلك؟
فبادِر للدعوة في أي مجالٍ كان، في حالة هنا، أو منشور هناك، أغرِق وسائل التواصل بالخير، وزاحم المحتوى الفاسد، ولا تجعل أحداً يسابقك إلى الخير، فأنتَ - أيها المسلم - أولى بالوصول، لأنك امتلكت الأصول!
نسأل الله أن يهدينا ويهدي بنا، ويصلح قلوبنا وأعمالنا ..
#فقه_الدعوة


