ليست ناحية العصبية هي وحدها ما يظهر لنا في عهد الإسلام من نزعات جاهلية، نزعات أخرى لا تقل عنها وضوحًا.
من ذلك: حروب الردة، وذلك أن كثيرًا من قبائل العرب عدُّوا دفع الزكاة للخليفة ضريبة عليهم ومذلة لهم، ونظروا إليها نظرهم إلى قبيلة تتسلط على أخرى، وتضرب عليها الإتاوة؛ فانتهزوا موت رسول الله ﷺ، وعبروا عن شعورهم الجاهلي برفض دفعها لأبي بكر؛ وفي هذا يقول قُرَّةُ بن هُبَيْرَة لعمرو بن العاص: «يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة؛ فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتُطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم»، وقد عجزوا عن أن ينظروا إلى الزكاة كجزء من المال يُؤخذ للصرف في الصالح العام، وهو ما يرمي إليه الإسلام.
أضف إلى ذلك، أن بعض المسلمين — وخاصة من سكان البادية — كانوا ينزعون في معيشتهم الاجتماعية النزعة الجاهلية من مهاجاة وحمية وشراب ونحو ذلك، رُوي أن عمر بن الخطاب حبس الحُطَيْئَة؛ لأنه كان يقول الهُجْر ويمدح الناس، ويذمهم بما ليس فيهم، ثم أطلقه، فلما ولى ناداه فرجع، فقال عمر: كأني بك يا حطيئة عند فتى من قريش، قد بسط لك نُمْرُقَةً١٦ وكسر لك أخرى، ثم قال: غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس! قال زيد بن أسلم: ثم رأيت الحطيئة يومًا بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر، قد بسط نمرقة وكسر له أخرى، ثم قال: تغنينا يا حطيئة وهو يغنيه، فقلت: يا حطيئة، أما تذكر قول عمر؟! ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، أما لو كان حيًّا ما فعلنا هذا!
بل كثير من شبان بني أمية، وبعض شبان بني هاشم كانوا يعيشون عيشة هي إلى الجاهلية أقرب منها إلى الإسلام، شراب وصيد وغَزَل، كيزيد بن معاوية وصحبه، فقد حكى المسعودي «أنه كان صاحب طرب وجوارح وكلاب (للصيد) ومنادمة على الشراب، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستُعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله».
فجر الإسلام - أحمد أمين










