تعليقٌ حول المناظرة المتعلقة بإثبات النبوة.
اطلعتُ على نقدٍ لبعض الإخوة على ما جاء في المناظرة المتعلقة بإثبات النبوة، من أنَّ الأخ المناظر قد منع الملحد من التصريح بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذن بأن يخبر عن عدم صدقه،
وأنَّه لا فرق بين الاثنين، وأنَّ ذلك فيه إقرار بالطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم.
والحق أنَّ هذا النقد صحيحٍ من وجهٍ، ويحتاج إلى تدقيق فيه من وجهٍ آخر حتى يسلم من أي تجاوز.
فهو ليس دقيقًا من جهة أن ثم فرقًا بين الأمرين، وأنَّ أحدهما في المناظرة ليس كالآخر، فمن لوازم المناظرة أن يصرح بعدم ثبوت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فالإذن له هو إذنٌ له من جهة هذا المعنى، بخلاف التكذيب المباشر فليس هو من لوازم المناظرة، ولهذا فلا يجوز أن يطعن في المناظر أنَّه بذلك قد أذن بالطعن أو رضي بذلك، فهذا تجاوز ظاهر.
وأما وجهه الصحيح التام: فهو أنَّ هذا النقد يجب أن يكون متجهًا لمنع هذه المناظرات،
فإنَّ من لوازم المناظرة العلنية في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسمح له بأن يطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا، وأن يسكت المسلم عن الإساءة والطعن للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنَّه لا يمكنه إقامة الحجة ولا إثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم في المناظرات إلا بهذا.
وهذه مفسدة عظيمة جدًا، وشيء منكر في غاية الشناعة، لا يجوز أن يتهاون فيه، وقد قبل المسلمون في تاريخهم بقاء الكفار على دينهم، وقبلوا إظهار بعض شرائعهم، وقبلوا أشياء أخرى تأولًا أو تهاونًا، لكنهم -مع القدرة والاختيار- لم يقبلوا أبدًا أدنى طعن أو إساءة للرسول صلى الله عليه وسلم.
خاصة أنَّ هذه المناظرة ستجري باللغة العربية، وجمهور المتحدثين بها هم من أهل الإسلام، فهذا الطعن سيقع أكثره على آذان المؤمنين، وسيجرح قلوبهم، ويؤذيهم في نبيهم صلى الله عليه وسلم،
فأي مصلحةٍ هذه التي يغتفر فيها مثل هذه المفسدة العظيمة، وأي حاجةٍ هذه التي تسوغ أن يقف المسلم مستمعًا لمن يستطيل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يتفرج أكثر المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على مثل هذه الإساءات؟!
لاحظ أننا لا نتكلم عن أصل المناظرات في أصول الدين، ولا عن ضوابطها، وإنما الحديث عن مناظرة خاصة متعلقة بعرض الرسول صلى الله عليه وسلم تجري في فضاء عام أكثره من المؤمنين به،
فيجب الجزم القاطع بمنع أي مناظرات علنية مفتوحة في مثل هذا الحال، وأنه منكرٌ عظيمٌ لا شك في تحريمه ومنعه، ومفسدةٌ ظاهرةٌ لا يوازيها مصلحة مهما بلغت، وأنَّ المصالح المرجوة يمكن تحقيقها بطرق وأساليب أخرى،
فلا يجوز عند الاختيار الدخول في مثل هذه المناظرات بدعوى المصلحة أو لمقصد النية الحسنة، بل يجب سد مثل هذه المفسدة سدًا كاملًا ومنعًا تامًا،
وأن المستثنى من ذلك -إن وجد-فيجب أن يكون في أضيق الأحوال، مما تربو حاجته ومصلحته على هذه المفسدة إن تُصُوِّر مثل ذلك.
والله أعلم.
Forwarded fromقناة د.فهد بن صالح العجلان
July 9, 2026 281