ينبغي أخذ العبرة من الموت، ولا ينبغي أن يمر ذكر الموت كأي حادث آخر عابر لا اثر له، ونكون عنه من الغافلين، ونخسر بذلك حسن التوفيق. ويمكن الحديث عن ذلك على الشكل التالي. فان نسبة الموت تارة إلى الفرد نفسه وأخرى إلى غيره. وعلى كلا التقديرين فإما أن نلاحظ أثره في الدنيا أو نلاحظ أثره في الآخرة. فتكون الأقسام أربعة: (2×2) ويمكن بيان ذلك ضمن ثلاثة مستويات:
◈ المستوى الأول: في ملاحظة اثر الموت على الفرد نفسه، في دار الدنيا، يعني حتى ولو قبل وقوعه. وذلك: إن الفرد يمكن أن يشعر طبقاً لذلك بأمور:
أولاً: إن الموت أمر يقيني وليس مشكوكاً. وان استبعده أهل الدنيا وغفلوا عنه، واعتبروه كأنه غير موجود. قال الإمام الصادق : “ما خلق الله يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت”.
ثانياً: الموت باب من أبواب الطاعة، من حيث كونه باب الآخرة. وفي الآخرة ثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. وهذا ما يبعث على العمل الجاد في الحصول على الثواب وتجنب العقاب.
ثالثاً: إن الموت ليس له وقت موقت ولا أمد معروف، بل هو محدد بإرادة الله سبحانه وحده. ومن زاوية الفرد وأي فرد، فانه يمكن حصوله في أية لحظة وبأي سبب بل بدون سبب وهذا ما ينفي طول الأمل لعدة ساعات فضلاً عن عدة سنوات.
رابعاً: إن الموت موجب واضح لفراق الدنيا وما فيها من قريب وبعيد ومالك ومملوك. إذن فكل ذلك إنما هو مثل الاستعارة، لها أمد معين، وهو عمر الإنسان، وما أعجل أن ترد العواري.
إذن، فلا ينبغي أن يشعر الفرد مع الأفراد والأملاك بالارتباط الدنيوي أكثر من ذلك، وبأهمية أوسع منه.
خامساً: إن هذا الجسد نفسه يفارقك عند الموت، فهو إذن عارية أيضاً وإنما يّسره الله تعالى لك، لأجل الاستعانة به على الطاعة والمعروف والتوبة والاستغفار، لا لاستغلاله للعصيان والطغيان. أعاذنا الله من كل سوء.
سادساً: إن هذا الجسد ليس له قيمة أكثر من الجيفة التي سوف يستحيل إليها أولاً، ثم التراب الذي يتحول إليه بعد ذلك. لا يختلف في ذلك المالك عن الملوك والغني عن الفقير والعالم عن الجاهل والمسلم عن الكافر.
───────────────────────
◈ المستوى الثاني: في ملاحظة اثر الموت على الفرد في الآخرة. بصفته طريقاً إليها وباباً لها.
أولاً: إن الأعم الأغلب من الناس لا يعلمون على ماذا يقدمون في الآخرة، هل على ثواب جزيل أو عقاب اليم؟ وكل فرد يعلم انه لا يخلو من الذنوب والعيوب. ولذا يقول الإمام السجاد(ع): “إذا نظرت إلى ذنوبي قنطت وإذا نظرت إلى رحمتك طمعت”. فالفرد، أي فرد إلا الأندر الأندر، يكون استحقاقه الأولي، هو العقاب ما لم تتداركه الرحمة والمغفرة، وينقل بذلك من العقاب إلى الثواب.
ثانياً: يمكن أن نقول: إن ما ينجي في الآخرة أمران: أحدهما: العمل الصالح. والآخر رحمة الله سبحانه. غير إن العمل الصالح مهما كان فهو قليل وضيق والرحمة جليلة واسعة. ومن هنا لا ينبغي الاعتماد في النجاة على العمل مهما كان، بل على الرحمة. بل إن العمل الصالح في الدنيا كان بحسن التوفيق والرحمة نفسها، فكيف يمكن تقديم أهميته عليها أو جعله كفؤاً لها!؟
ثالثاً: لا دليل على أن كل ميت يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ولكن لعل الأعم الأغلب منهم كذلك، إلا من تداركه الله برحمته الواسعة. غير انه من المؤكد بنص القرآن الكريم، إن تمني الرجوع ليس شوقاً إلى الدنيا أو آسفاً على فراقها، وان كان هذا موجوداً عند الكثيرين. غير أن الأهم في نظر الميت عندئذ هو الرجوع لممارسة الطاعة والاستغفار. وبناء ما خسره في الآخرة من جديد. قال الله سبحانه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.
وهذا الدعاء غير مستجاب، حسب ظاهر القرآن الكريم. حيث يجاب الميت: ﴿كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
والحكمة من الرفض هي أن الفرد كان يتخيل في تلك اللحظة انه إذا رجع إلى الدنيا مارس العمل الصالح والتقوى. إلى أن خياله ذلك خاطئ، فانه إذا عاد سوف يمارس عمله السابق نفسه، ويتصرف حسب مستواه النفسي والعقلي والإيماني. فتكثر ذنوبه وتزداد عيوبه، وبالتالي: تسوء آخرته، وهو يريدها أن تتحسن. فمن الحكمة له، بل والرحمة به أن يرفض طلبه ذلك ويرد دعاؤه. وتمني الرجوع إلى الدنيا:
إما أن يكون عند الاحتضار وفي الساعة الأولى من الموت. بحيث يتمنى أن تعود الروح فوراً، ويعود كما لو كان مغمى عليه ثم يستيقظ. وقد يكون تمنى الرجوع في زمان آخر كيوم القيامة حينما يشاهد الأهوال والنيران.
ويمكن القول: بأن هذا التمني يكون عند مواجهة الأهوال. فان رآها عند الموت كان التمني عنده. وان رآها في وقت آخر، كان التمني في ذلك الحين، وذلك تخلصا من الأهوال وتخلصاً من أسبابها وهي الذنوب، لأنه إذا رجع إلى الدنيا سوف تعود إليه فرصة التوبة والعمل الصالح.
رابعاً: انه بينما يكون الورثة مهتمين بتجهيز الجسد، يكون الميت مهتما بعالمه الذي وصل إليه وهوله الذي اطلع عليه. وما يرى هناك ويسمع من حوادث وأشخاص. وهذا أكيد أوضح من الشمس، بعد العلم بصحة العقيدة وصدق القرآن الكريم. في إثبات النشأة الأخرى. ومن هنا يكون الأحرى بالفرد أن يحمل هذا الهم من حين حياته، لا أن يفاجأ به بعد مماته.
خامسا: انه لا دليل على أن طريقة الموت لكل احد واحدة. نعم، هي واحدة تقريبا لموت الجسد، وإنما المراد أننا لو لاحظنا إحساس الفرد نفسه حال النزع للروح وبعده. أعني لاحظنا الأفراد ككل، لم نجد بينهم تشابها إلا قليلا. ومن حيث الراحة والألم والأمن والفزع وعدد ما يرون من الأشخاص، ومن هم؟ وشكل ملك الموت، وغير ذلك. بل هناك من الأدلة ما تؤيد هذا الاختلاف، كما أن النظر إلى أحوال الموتى، يكون قرينة على ذلك، فقد ورد: “إن الموت صعب على الكافر، وسهل على المؤمن”. كما ورد “بأن الله سبحانه قد يجعل الموت صعباً على المؤمن ليكون سبباً لغفران ذنوبه وتسهيل ما بعده”، كما ورد: “انه إذا كان الموت شديداً كان ما بعده أشد, وان كان الموت سهلاً، كان ما بعده أسهل”. وهذا صادق بالنسبة إلى بعض الطبقات من الناس، وهم الأكثر إيماناً والأكثر كفراً أو نفاقا.
───────────────────────
◈ المستوى الثالث: في ملاحظة اثر الموت على الآخرين، من الناحية الأخروية، أي ماذا ينبغي أن يكون عليه إحساس أي فرد إذا رأى ميتاً، سواء كان من أهله أم لم يكن. ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
أولاً: انه كما مات هذا وغيره، فسوف يموت هو وغيره. فان كان غافلا عن ذلك التفت قهراً.
ثانياً: انه من النعمة أن يبقى هو من الأحياء الآن، بينما يرى هذا الفرد قد انتهت حياته وانقطع أمله وانتهى عمله وزوال رزقه وأغلقت أمامه باب التوبة، في حين أن الفرد في الدنيا لا زالت كل هذه النعم متوفرة لديه.
ومن هنا ورد استحباب أن يقول الفرد إذا رأى جنازة: (الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم)، يعني: من الموتى، من حيث إنه لازال يتمتع بالحياة.
ثالثاً: انه هل يرجح الحزن على الميت ولماذا؟ هل لمجرد انه مات. أو لأنه من أهل النار. أو لأنه من أهل الجنة. أو لسبب آخر.
أما مجرد الموت، فهو قانون عام لا يمكن الفرار منه. فــ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بالضرورة. والحزن عليه قد يشكل اعتراضاً على القدر الإلهي، فيكون حراماً.
وأما إن كان هذا من أهل النار، فهو مستحق لها، وليس انك أرفق به ولا اعلم بحقيقته من الله عز وجل. وليس من المنطقي أن تحزن لشخص يستحق النار.
وأما إذا كان من أهل الجنة، ولا اقل انه من الراجح أن تشمله رحمة الله الواسعة. إذن، فهو في راحة الآن، وليس من المنطقي الحزن على من يكون في راحة، بحيث يكون هو مرتاحاً وأنت محزون ؟!.
رابعاً: يمكن ملاحظة كثير من الموتى الذين كانوا كأولياء أو مشرفين على أسرة أو تجارة أو غير ذلك. فان الفرد العادي ممن كان معهم يرى بعدهم فراغاً دنيوياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً هائلاً.
وهذا إنما يكون من قلة اليقين بالله عز وجل، والاعتقاد أن الحافظ والرازق والمدبر، هو هذا الميت. فإذا زال وجوده زال أثره، فلا يبقى هناك حافظ ولا رازق ولا مدبر !!
وهذا المعنى اقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان، لولا أن بعضهم يكفر فيه بحسن نية. مع العلم بأن الحافظ الحقيقي والرازق الحقيقي والمدبر الحقيقي حي لم يمت ولن يموت. وهو الله سبحانه وتعالى.
خامساً: إن من أعظم العبر أن نجد فرداً قريباً أو صديقاً نجامله ويجاملنا، ونعامله ويعاملنا ونزوره ويزورنا ونحترمه ويحترمنا. ثم ينسحب بالمرة عن كل نشاطه وفعالياته وينقطع صوت كلامه وصوت مشيه، وتدفن معه كل آرائه ووجهات نظره، ويبقى المكان فارغاً منه كأنه لم يكن على الإطلاق. ولم يبق من دليل على وجوده إلا ما خلف من أولاد أو متاع.
ومن الراجح أن يدرك الفرد عند ذكر الموت: أن هذه الحياة مادامت ومختومة بالموت، فمن الراجح أن يختار الموتة الشريفة التي تكون في رضاء الله وعلو القدر في الدنيا والآخرة. وهذا هدف يستحق التضحية من أجله بالحياة وعناصر الحياة. فان الموتة لن تكون إلا واحدة. والتضحية لن تنتج موتاً متعدداً.
ㅤㅤㅤㅤㅤ. مُعَراجَ اليَّقِيَنَ .
ㅤㅤㅤㅤㅤ. ٌمَسَائِلُ وَرُدُود .
للتعاون والاستفسار [ @xv_rbot ].