أتحدث بصفتي طالبا سابقا في القانون فإنني لا أنظر إلى الأحداث بمنطق العاطفة أو الانحياز وإنما بمنطق النصوص القانونية وروح الدستور إن قوة أي دولة لا تقاس بعدد أجهزتها أو بقدرتها على فرض النظام وإنما بمدى احترامها للقانون الذي ارتضته لنفسها فالدستور المغربي لسنة 2011 جاء بمبادئ واضحة لا تحتمل التأويل إذ نص في الفصل 20 على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ونص الفصل 21 على أن السلطات العمومية تضمن سلامة السكان وسلامة التراب الوطني في إطار احترام الحقوق والحريات الأساسية بينما أكد الفصل 22 أن السلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص لا يجوز المساس بها من أي جهة كانت خاصة من قبل الموظفين العموميين، كما أن الفصل 23 يحظر كل أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لذلك، فإن أي استعمال للقوة خارج حدود الضرورة والتناسب إذا ثبت قانونا لا يعد مجرد خطأ فرديا بل يطرح سؤالا حول مدى الالتزام العملي بمقتضيات الدستور
لقد أصبح من الواضح أن جزءا كبيرا من الشباب المغربي لم يعد يطالب بالمستحيل بل يطالب بحقوق كفلها الدستور نفسه: الحق في الشغل، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة
المغرب بلد غني بموارده الطبيعية والبحرية والفلاحية والمعدنية ويملك موقعا استراتيجيا يجعل منه بوابة بين إفريقيا وأوروبا ويحقق إنجازات مهمة في البنية التحتية والطاقة والصناعة ومع ذلك لا يزال كثير من المواطنين يتساءلون: لماذا لا تنعكس هذه الإمكانيات بشكل أكبر على مستوى العيش اليومي؟ ولماذا تستمر البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة، خاصة في صفوف الشباب؟
هذه الأسئلة ليست خروجا عن القانون بل هي جزء من النقاش العمومي الذي يحميه الدستور لأن المواطن من حقه مساءلة السياسات العمومية والمطالبة بتحسينها
إن الدولة القوية ليست هي التي تسكت الأصوات المنتقدة وإنما التي تستمع إليها وتعتبرها وسيلة للإصلاح والحكومة وفق الدستور تتحمل مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما أن البرلمان يمارس الرقابة والمحاسبة والقضاء هو الضامن لتطبيق القانون على الجميع دون تمييز ولذلك فإن أي واقعة يثار بشأنها ادعاء باستعمال غير مشروع للقوة من طرف موظف عمومي أو أي تجاوز يصدر عن أي مواطن يجب أن تعالج بالقانون وحده لا بمنطق الانتقام ولا بمنطق التبرير فالمغرب لا يحتاج إلى صراع بين الدولة والمجتمع بل يحتاج إلى ترسيخ دولة المؤسسات حيث تكون كرامة المواطن مصونة والموظف العمومي خاضعا للمساءلة والحكومة مسؤولة عن نتائج سياساتها وتكون الثروة الوطنية رافعة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية التي يشعر بها جميع المغاربة لا مجرد أرقام في التقارير الرسمية
فدولة الحق والقانون لا تبنى بالشعارات وإنما بالتطبيق الفعلي للدستور وربط المسؤولية بالمحاسبة وجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار











