من أعلى البنايات على سطح الأرض، قِف وانظر إليّ؛ فأنا أعلى منها جميعًا. أنا هناك، بين الذكريات التي دفناها في السماء لا في الأرض، بين الغيوم البيضاء والطيور التي تحلّق وتخفق بأجنحتها، أنتظر نظرتك إليّ، وسؤالك عنّي، وقربك منّي؛ ذلك القرب الذي يجعلني أشعر بالأمان، مهما وعرت الطرق، ومهما طال الطريق إليّ.
لا تخف من المسافة بيننا، لأننا باقون كما وعدنا بعضنا في بداية الرحلة؛ لا يُقاس البُعد بيننا بالخطوات، ولا تُحصى المسافات بعدد الطرق التي تفصلنا، ما دام في قلبينا ذلك الطريق الذي لا يضلّ.
فإن تعبتَ في الطريق، اجلس قليلًا، وانظر إلى السماء؛ ستجدني هناك، أراقبك من بعيد، وأنتظر أن ترفع عينيك نحوي، ثم ضع يدك على قلبك لتشعر، أو لتقرأ الحب الذي قدمته لك ليكون معك طوال الطريق. لا أريد منك أن تأتي مسرعًا، ولا أن تهزم المسافات من أجلي؛ يكفيني أن تأتي وأنت تحمل في قلبك الوعد ذاته، وأن تعرف أنني، رغم كل ما قد يحدث، ما زلت في المكان الذي تركتني فيه.
وإن طال الطريق، فلا بأس؛ بعض الأمكان أو الأشخاص يستحقون أن نُرهق لأجلهم أعمارًا كاملة. وبعض الذين نحبهم لا نصل إليهم بأقدامنا، بل بقلوبٍ لم تتعلّم كيف تنسى.
وحين تصل، لا تقل لي: «كم انتظرتِ؟»
فقط اقترب... دعني أطمئن أنك عدت، وأن الحياة لم تستطع أن تأخذك مني.
فاطمة الصالحي،
الإثنين ٢٠٢٦/٨/٢٤



