تأملتُ طويلًا في سرِّ بعض الأبناء الذين يكبرون وفي قلوبهم محبةٌ عجيبة للقرآن، للعلم، للقراءة، أو لكل ما يرفع الهمة ويزكّي النفس..
فوجدتُ أن وراء ذلك في كثير من الأحيان أمًّا كانت تحبّ هذه الأشياء قبل أن تطلبها من أبنائها..
كانوا فقط يرونها، يرون الكتاب قريبًا منها، والقرآن رفيقًا لها، والعلم شيئًا تفرح به، والوقت شيئًا تخاف أن يضيع منها. فنشأ في نفوسهم تربية على أن هذه الأشياء تستحق أن تُحب.
فالطفل يرث شيئًا من ذوق قلب أمه؛ الأشياء التي كانت تعظّمها، والأمور التي كانت تفرح بها، وما كانت تراه خسارةً وما كانت تراه غنيمة.
وقد تقول الأم لابنها: «لا تضيع وقتك»، ثم يراها ساعاتٍ طويلة غارقة في هاتفها؛ فيتعلم من فعلها أكثر مما تعلّم من كلامها.
وقد تحدّثه عن العلم والقرآن وعلو الهمة، ثم يراها إذا وجدت ساعة فراغ لجأت إلى اللهو؛ فيفهم، دون أن يشعر، أن الكلام شيء والحياة شيء آخر.
أما حين يرى أمّه تُقبل على الخير كما يُقبل المحبّ على محبوبه، فإن التربية تأخذ طريقًا آخر.
وهنا أدركتُ أن من أعظم ما تستطيع الأم أن تفعله لأبنائها أن تملأ البيت بالمعاني التي تريد أن تسكن قلوبهم.. أن تحب أمامهم ما تريدين أن يحبّوه.
إن أردتِ لهم القرآن، فدعيهم يرون أثر القرآن فيكِ.
وإن أردتِ لهم العلم، فدعيهم يرون فرحتكِ به.
وإن أردتِ لهم علوّ الهمة، فاجعلي سعيك مشهدًا يرونه في أمّهم كل يوم.
فربما كبر الطفل، ونسي كثيرًا من وصايا أمّه، لكنه لا ينسى بسهولة الأشياء التي رآها تحبّها أمّه... لعل أجمل ميراث تتركينه لأبنائك.. أن تجعلي في قلوبهم محبةً لشيءٍ عظيم، ثم يمضي ذلك الحبّ من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل.
وإذا ما الأُمّهاتُ أحببنَ شيئًا، وَرِثَ حُبَّهَا له الأبناء 🌱




