من ضيق الاختيار؛ إلى سعة الافتقار). وأنا أقلب بعض الملفات القديمة… — تِـلَاد 🌱 — TG.ME

‏(من ضيق الاختيار؛ إلى سعة الافتقار).

وأنا أقلب بعض الملفات القديمة استوقفني هذا المنشور الذي جعلت الخاطرة تعليقًا عليه، وقفت عنده كثيرًا متأملًا جلال هذه الدعوة العظيمة: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)؛ فلاح لي أن العبد عندما يدعو بها فإنه لا يسأل حاجة مسماة قد حدّها سياج عقله القاصر، وإنما يعرض فقره الذاتي على الغني الكامل في غناه، من لا تخفى عليه خافية، ويعلم عاقبة الأمور، فيقف بباب الجود عاريًا من كل شيء سوى ما يرجوه من خالقه جل في علاه.

فالخير مجهولٌ في جنسه وقدره، معلومٌ في مصدره وسحائبه، والنعمة مجهول موضعها ولكنها تُستمطر من العليم ببواطنها، فكم من حاجة تعلّقها القلب فكان فيها هلاكه وهو لا يشعر، وكم من حاجة هو في أشدِّ الفاقة إليها ولكنها خفيت عليه، فلم يهتد إلى سؤالها والدعاء بها، وكم من بُلغة يُظنُّ فيها صلاح الحال تغدو على نقيض ذلك إن زاد فيضها عن قدر الإصلاح، وأمور أخرى وأحوال يتيه فيها الفكر من حيث ظن كمال الخيرية في مطالبه التي يرجوها، فيفر العبد من ذلك كله إلى ظلال التفويض، وينزع من قلبه شوك التعلق بالمفقود، فيعظم فرحه بالخير الموجود، ثم لا ينكسر لفوات بُغية، لأنه يعلم أن الخير فيما يختاره رب البرية.

فليس الشأن أن تظفر بما تُحب، وإنما الشأن أن تُحب ما يختاره الله لك، وهذا التجرد هو عين ما نطق به وهيب بن الورد، عندما سئل عن الموت أو البقاء؛ أيهما أحب إليه؟ فقال: (أنا لا أختار شيئًا، أحبُّ ذلك إليّ، أحبّه إلى الله)، عندها اهتزت نفس سفيان الثوري أمام هذا الجواب، فقال: (روحانيّة، وربّ الكعبة)، وما الروحانيّة التي عناها سفيان إلا أن تتجرد النفس من تدبيرها، لتُحلِّق في فضاء الرضا والتسليم، فيستوي عندها العطاء والمنع؛ لأنه اختيار الله!

فمن عرف فقره؛ فرَّ إلى غنى خالقه، ومن أدرك قصور نظره؛ اتكل على كمال نظر الله له، فرضي بمواقع القدر رضا المسوق بحبّ، ثم لم يتخيّر على خالقه وإنما اطمئن لتدبيره، ووقف بعقله موقف المتأدب الذي لا يتعقّب تقديره، فهبت عليه بعدها نسائم الروحانية التي وصفها سفيان، وفُتح له باب من النعيم والسرور الذي لا يشبه نعيم الدنيا، وفقه شيئا من المعنى الذي وصفه عمر بن عبدالعزيز بقوله: (‏أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر)، وما ذكره عامر بن عبدالله بقوله: (‏أحببت ﷲ حبًّا سهّل عليَّ كل مصيبة، ورضَّاني في كل قضيَّة، فما أبالي مع حُبِّي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت)، قال ابن رجب: (من وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور).

ولا شك أن في مقام التفويض سرًّا من أسرار الجلال، وعتبة من عتبات النعيم المعجل، وعبوديّة حقّة يخلع العبد فيها عن كاهله مؤونة التدبير، ويلقي بمقاليد حيرته في واد من السكينة، فلا يعرف القلقُ مسلكًا إليه، والله المستعان!
September 2, 2026 41 1