لكن المفارقة التي تجمع الإنسانوية بالوجودية تكمن في أن الأولى حين نزعت الوحي من مركز القيم، حمَّلت الفرد دون قصد، عبء اختراع المعنى، وحين يتخلى النظام الأخلاقي عن مرجعية متجاوزة، يصبح الإنسان نفسه هو المشرع والمفسر والغاية، فيلقى على كاهله ما ليس في طاقته، أن يكون مصدر الإلزام وفي الوقت ذاته موضوعه. هنا تتدخل الوجودية لتستثمر الفراغ، فيتحول هذا العبء إلى تكليف وجودي كامل: أنت حر على نحو جذري، وبالتالي فأنت مسؤول على نحو جذري، ولا عذر لك أمام نفسك أو أمام العالم. ومن هذه النقطة تتفجر الأزمة البنيوية: حرية قصوى بلا ضمانات، ومسؤولية قصوى بلا معيار موضوعي، فينشأ التوتر بين رغبة الذات في الاطمئنان وبين هشاشة المعايير التي تبتكرها، فهي معايير تنقضها الأذواق وتبددها الأهواء، وتفتقر إلى قوة إلزام متعالية تمنحها صلابة ودوامًا.
الإنسانية تحاول معالجة هذا التوتر بالركون إلى العقل العمومي والتوافق الاجتماعي، لكنها حلول وصفية، لا تؤسس لواجب كوني، لأنها تفترض اتفاقًا متقلبًا بين أذواق متغيرة، أما الوجودية فتلجأ إلى مفهوم الاختيار الأصيل وتحذر من سوء النية، إلا أنها تظل دائرة في فلك الذات نفسها، فلا تتجاوز حدود التجربة الفردية، ولا تستطيع تحويل أصالتها إلى معيار أخلاقي ملزم للآخرين. هكذا تتكشف المشكلة الأعمق، كيف يُؤسس الإلزام دون مشرع؟ وكيف تبنى الأخلاق في غياب مرجعية تتجاوز الفرد والجماعة؟
لقد سلمت الإنسانية المركز للإنسان، وطلبت منه أن يعيد اختراع المعنى، في حين حملته الوجودية كلفة أن يكون إله نفسه دون أن تمنحه القدرة على فرض معنى مشترك أو ضمان عزاء وجودي. كلا المشروعين عرى سؤال المعنى، وكلاهما اصطدم بحدود الذات حين حاول تأسيس معيار أخلاقي لا يقوم إلا بها، وهنا يبرز البديل الإسلامي باعتباره إطارًا لا ينفي الحرية ولا يلغي المسؤولية، بل يؤطرهما ضمن معنى متعال يحفظ للإنسان كرامته ويقيه وحشة الفراغ. ففي هذا المنظور، يبقى الإنسان فاعلًا في التاريخ، حرًا في إرادته، لكنه ليس مؤلَّهًا لذاته ولا سجينًا لقلقها، وإنما كائنًا مكلفًا بمعنى، محمولًا على غاية، ومؤطرًا بميزان يضبط الحرية دون أن يلغيها، ويؤسس الأخلاق دون أن يتركها رهينة المزاج الفردي أو العبث الوجودي.
نشيد الإنسانوي الأخير
الأناشيد الأخيرة
الجزء الأول
July 19, 2026 884 2