في هذا الزمان الرمادي، لم نعد نكبر بل ننسحب.. ننسحب بأقدام ثقيلة وقلوب فرغ منها نبض الدهشة.
كنا أطفالاً نؤمن أن بالحب يُرمم كل شيء، وأن الأمل خيط لا ينقطع، لكننا صحونا فجأة لنجد أنفسنا في وادٍ أجرد؛ وادٍ سُلبت منه البركة حتى من أوقاتنا، وجُردت منه الرحمة حتى من كلماتنا، وغدت فيه المودة عملة قديمة لم يعد يعترف بها أحد.
لقد خبا الشغف كشمعة أُرهقت من النفخ المتواصل، وذاب الحب في زحام الماديات والجفاء، حتى لم يعد بيننا وبين الأشياء سوى غبار العادة. صرنا نرى الأيام وهي تتشابه، ونشاهد الأحلام وهي تتساقط كأوراق الخريف دون أن نملك قدرة حتى على الانحناء لجمعها.
صرنا أشباحاً بلا هدف.
نمرّ في الشوارع المزدحمة، نلتقي بالوجوه الغريبة، ونرد التحايا بابتسامات باهتة تموت قبل أن تصل للعينين. نحمل أجساداً تدور في ساقية الروتين اليومي، بلا رغبة، ولا حلم، ولا وجهة. نجري لأن الجميع يجري، ونغفو لأن الليل حلّ، ونستيقظ لأن الفجر بزغ.. لا لنعيش، بل لنكمل المسرحية فقط.
أي وجع هذا الذي يجعل الإنسان غريباً عن نفسه؟ وأي زمن هذا الذي أصبحت فيه قلوبنا مقابر صغيرة لأمنيات أجهضها التعب؟
لقد خسرنا البساطة التي كانت تجعل من كسر الخبز عيداً، ومن الكلمة الطيبة سَكناً. وأصبحنا نقف في منتصف المسافة بين الحياة والموت، لا نملك الشجاعة لنبدأ من جديد، ولا الفسحة لنستريح.. مجرد أطياف تعبر زقاق العُمر، تسأل الظلام بلطف: متى يعود للقلب نوّاره؟
#Fox
August 13, 2026 132 1