يرتبط اسم عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في أذهان أغلب المسلمين بالعدل والرحمة وكثرة الأموال وندرة الفقراء والقصص في هذا الباب كثيرة.
لكن الحقيقة أن عمر بن عبدالعزيز لم يكن مجرد خليفة عادل مشفق على رعيته بل كان أعظم من هذا، فقد كان رحمه الله إماما مجددا ويتفق معظم العلماء على أنه مجدد المئة الأولى في الإسلام.
وبما أننا في زمن قدم فيه كثير من "الإسلاميين" أمر الدنيا على الدين والآخرة كغيرهم من الأمم، فيظن كثير من الناس أن تجديد عمر متمثل في عدله وأحوال المسلمين في خلافته وهذا تصور لا أقول خاطئ ولكنه ناقص، وخصوصا عند معرفتك أن هذه الفترة الجميلة كانت قصيرة للغاية في عمر الأمم بل وانقلب أمراء بني أمية على إصلاحاته من بعده، ولهذا فعدل عمر وما فعله في الدولة على عظمه وروعته لم يكن له ذاك الأثر التجديدي الضخم في الأمة ولم يكن عمر مجددا من أجل عدله ورشده في الحكم فقط.
أما الأثر التجديدي الحقيقي الذي قام به عمر واستمر من بعده إلى يومنا هذا فهو أثره في حراسة الدين وإماتة البدع، فإن كان الخلفاء الراشدون هم أول من جمع القرآن فعمر بن عبدالعزيز هو أول من أمر بجمع السنة وتدوينها هذا أولا، كما ساهم الإمام المجدد عمر بن عبدالعزيز بترسيخ الموقف السلفي الوسط من كثير من الانحرافات التي انتشرت في زمانه وتخبط الناس فيها واجتالتهم الشياطين، فاظهر العقيدة السنية الوسط في القدر وفي الإيمان وفي الموقف من الصحابة، ولهذا كثيرا ما تجد أقوال عمر في كتب العقيدة السلفية وفي مختلف المباحث والقضايا، وله مناظرات مسجلة مع القدرية ومع الخوارج فيها من الفوائد الشيء العظيم.
أما في حكمه فقد ظهرت آثار تجديده نعم ولكن ليس بمجرد إظهار العدل بين الناس، فالعدل قد يقوم به الكافر وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي بالعدل وهو على الكفر قبل إسلامه فهل يقول عاقل أن النجاشي صار بهذا مجددا !
طبعا لا .
تجديد عمر في الحكم ظهر في إعادة تبني الدولة الإسلامية في عهده لأمر الدعوة إلى الإسلام كما كان الأمر في عهد النبوة وعهد الراشدين، فالذي حدث بعد الراشدين أن الدولة اتخذت لنفسها أهدافا وضعتها فوق هدف نشر الإسلام وعلى رأس هذه الأهداف الحفاظ على قوة الدولة وهيبتها على سبيل المثال، وانشغلت الدولة بأمور الحكم والفتوحات والتوسع العسكري وتركت أمر الدعوة للعلماء وعامة المسلمين، وهذا مخالف لما كان عليه الأمر الأول والذي كانت فيه رسائل رأس الدولة تتوجه إلى ملوك الأرض لدعوتهم إلى الإسلام وتحركات الجيش المسلم تهدف بشكل رئيسي لإخراج الناس من الظلمات إلى النور قبل أي شيء آخر وسياسة الدولة محركها الرئيسي دعوة الأمم وهذا ما أعاد عمر إحياءه من جديد.
وكثيرون اليوم لا يعرف شيئا عن عمر الإمام المجدد ويحفظ كثيرا من القصص عن عمر الخليفة العادل الذي اغنى الناس وفاضت الأموال في عهده حتى ما عادوا يجدون من يأخذ أموال الصدقات، وعمر الذي توجهت في عهده أموال الدولة لتزويج من لا يستطيع الزواج وتجهيز من لا يستطيع القيام بفريضة الحج ونثر الحبوب على رؤوس الجبال كما يتداول الناس.
طيب لماذا ؟
لأن هذا هو ما يهم هؤلاء فنحن أمام أناس يعظمون أمر الدنيا على أمر الدين والآخرة وعلى الرغم من أنهم "إسلاميون"، لكن التجديد في عقولهم هو العدل والمجدد عندهم من يقدم لهم الدنيا التي يحلمون فيها لا من يصحح لهم دينهم، وهؤلاء هم من تباكوا على القاضي الأمريكي الرحيم الذي مات مؤخرا وهم من خرجوا من ضئضئ صاحب مقولة رأيت إسلاما بلا مسلمين.

