سذاجة المعالج (١): وهم العيادة الممتدة قال له صديقه ذات مرة، وهما… — سيكولوجيوا الغد علاج — TG.ME

سذاجة المعالج (١): وهم العيادة الممتدة

قال له صديقه ذات مرة، وهما يشربان القهوة: "خذلتني إمبارح، وأنا لسه زعلان منك."
فرد المعالج، بنبرة هادئة تعرّف عليها من عيادته: "أنا حاسس إن انفعالك ده جزء من نمط دفاعي بتكرره من ساعة ما..."
لم يكمل.
صديقه وضع الفنجان على الطاولة، ونظر إليه طويلاً، ثم قال: "أنا مش عيّان يا دكتور، أنا زعلان بس."

هذا هو الوهم، أن يحمل المعالج غرفة عيادته معه إلى كل مكان، وكأن العالم كله أريكة وهو الجالس خلفها إلى الأبد.

غرفة العلاج بيئة مصطنعة بامتياز، نصممها بعناية لنحتوي فيها ألم الآخر: نتدرب هناك على التجرد، ونقدّم قبولاً غير مشروط، وننصت إنصاتاً يفكك أقسى السلوكيات وأكثرها تشوهاً. لكن حين ينسى المعالج أن يخلع هذا القناع على عتبة الباب، حين يرتدي وضعية العيادة في بيته ومع أصدقائه، فإن ما كان أداة علاج يتحول إلى مسافة بينه وبين البشر الذين يحبهم.

حذّر يونج من هذا بالضبط، وسمّاه "تضخم القناع": اللحظة التي يتماهى فيها المعالج مع دوره تماهياً مطلقاً، حتى تبتلع الوظيفة كينونته الأصلية. يجفّ شيء فيه، ولا يشعر إلا بعد سنوات.

أما لاكان فقد وصف شيئاً أدق مما يُتداول عادة عن "الذات المفترض أنها تعرف". هذا الوهم لا يصنعه المعالج بنفسه أساساً؛ إنه إسقاط يضعه المريض عليه داخل العلاقة العلاجية، جزء من آلية النقل. خطورته الحقيقية تبدأ حين يصدّق المعالج هذا الإسقاط، حين يأخذه معه إلى بيته وكأنه صفة ثابتة فيه لا وهماً عابراً صنعه موقف آخر غيره.

خارج العيادة نحن بشر، لا معالجون. نُجرح، ونغضب، ونحتاج مساحة للعفوية. حين يخذلنا صديق، يهرب بعضنا من حرقة الألم العاري إلى ما تسميه نانسي ماكويليامز "العقلنة": يتخذ وضعية المحلل البارد، ويشرّح موقف صديقه بمصطلحات معلّبة، ليتجنب أن يشعر فعلاً.

والمشكلة ليست في التحليل نفسه. المشكلة أنه يستخدمه ليهرب لا ليفهم. حين تتحول كل جملة يقولها الطرف الآخر إلى "عيّنة سلوكية"، يختفي الطرف الآخر كإنسان له الحق أن يزعل، وأن يكون على صواب، وأن يُصدَّق دون تفسير.

هنا موقف المدرسة الوجودية، التي وقفت ضد آلية المعالج، وطالبت بألا نتحول إلى آلات رصد وتحليل، متناسين لحمنا ودمنا. النضج ليس في أن تحلل ألمك أو ألم من أساء إليك طوال الوقت. النضج في أن تتخبط، وتغضب، وتخطئ التقدير أحياناً، مثل أي إنسان لم يقرأ كتاباً واحداً في علم النفس.

في المرة القادمة التي يخذلك فيها صديق، جرّب ألا تفهم.
قل له فقط إنك زعلان. اترك التفسير للعيادة، فهناك موعده.
July 16, 2026 575