لماذا لم أعلّق على الجدل الدائر حول المولد النبوي؟ الحقيقة أننا نتابع… — د. عبدالله المحيسني — TG.ME

لماذا لم أعلّق على الجدل الدائر حول المولد النبوي؟

الحقيقة أننا نتابع هذا الجدل بحزن وصمت؛ لا لأن المسألة لا تستحق البحث العلمي، وإنما لأن قضية المولد من المسائل القديمة التي اختلف فيها العلماء منذ قرون، ومنهم من أنكرها ومنهم من أجاز بعض صورها، فهي ليست وليدة اليوم، ولا من قضايا أصول الدين التي ينبغي أن تتحول إلى معركة تستقطب المجتمع.

ومن أعظم ما نتعلمه من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي المآلات ووحدة الصف.

ومن مواقف السيرة التي تدل على فقه المآلات: عندما تنازع رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار في إحدى الغزوات، نادى كل منهما بشعار قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»؛ لأن القضية لم تعد مجرد كلمات، وإنما أصبحت تهدد وحدة الجماعة في ظرف يحتاج فيه المسلمون إلى التماسك.

ومن مواقف السيرة التي تدل على فقه المآلات: كان النبي ﷺ يرى أن الكعبة بُنيت على غير قواعد إبراهيم، وكان يستطيع إعادة بنائها على القواعد الصحيحة، لكنه ترك ذلك وقال لعائشة رضي الله عنها إن قومها حديثو عهد بجاهلية، ولولا ذلك لهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم.

ومن مواقف السلف التي تدل على فقه المآلات: موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن؛ فقد كان يرى بطلان القول بخلق القرآن، وثبت على ذلك، لكنه لم يجعل الخلاف سببًا لاستدعاء الناس إلى الفتنة أو حملهم على مواجهة السلطة بالسلاح، وإنما صبر على الأذى والحبس والضرب، وحافظ على إنكار ما يراه باطلًا من غير أن يفتح بابًا يؤدي إلى اقتتال المسلمين.

ومن مواقف السلف التي تدل على فقه المآلات: أن ابن تيمية مرّ في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فلما أراد بعض أصحابه إنكار ذلك، رأى ابن تيمية أن تركهم على ذلك في تلك اللحظة قد يكون أولى؛ لأن الخمر كانت تشغلهم عن قتل المسلمين وسبيهم ونهب أموالهم.
فليس معنى ذلك ترك الحرام، وإنما معناه أن الفقيه ينظر إلى ما يترتب على فعله، ولا يعالج مفسدة بطريقة تنتج مفسدة أعظم.

وقد قرر ابن القيم أصلًا عظيمًا في إنكار المنكر، وهو أن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكر أكبر لم يكن إنكاره على تلك الصورة مشروعًا؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.

ومن هنا نفهم فقه الأولويات.

إننا اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى جمع القوة لا استنزافها. يقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}.
والقوة ليست عسكرية فقط؛ بل هي قوة الدولة، والجيش، والاقتصاد، والأمن، والمؤسسات، والمجتمع، والثقة، والوحدة الوطنية، وكل ما يمكن أن يحفظ الأمة ويمنع أعداءها من النيل منها.

وفي ظل ما تواجهه سوريا من تحديات داخلية وخارجية، فإن تحويل المجتمع إلى ساحات صراع حول مسائل خلافية قديمة، مهما كانت أهميتها العلمية، يستنزف من رصيد القوة التي نحن أحوج ما نكون إليها.

وقد واجه علماء الأمة في أزمنة النوازل الكبرى الأخطار التي تهدد وجود المسلمين، ولم يجعلوا كل خلاف علمي معركة تستنزف الصف.
وهذا ما نحتاجه اليوم.

لسنا مطالبين أن نتفق في كل شيء، لكننا مطالبون أن نعرف ما الذي يجب أن نجتمع عليه الآن.
يمكن للإسلاميين والوطنيين والقوميين والمستقلين، على اختلاف مشاربهم، أن يجتمعوا على حفظ البلاد، وتقوية الدولة، وبناء المؤسسات، ودفع العدوان، وحماية المجتمع.

فقه الأولويات ليس تمييعًا للدين، وتأجيل الخلاف ليس تنازلًا عن الحق.
سنختلف، وسنناقش، ولكل مسألة أهلها وأدلتها.
لكن ليس كل خلاف يُفتح في كل وقت.
فقد ننتصر في نقاشٍ جزئي، ثم نخسر بسببه شيئًا من وحدة الأمة وقوتها.
ومن الحكمة أن نعرف ما الذي يمكن أن نختلف فيه غدًا، وما الذي يجب أن نجتمع عليه اليوم.
https://t.me/shemmary
❤52👍15😁1
September 2, 2026 2K 16 12