لك ياالله ما أخذت ولك ما أعطيت .. من أشدّ لحظات الغربة إيلامًا تلك… — د. عبدالله المحيسني — TG.ME

لك ياالله ما أخذت ولك ما أعطيت ..

من أشدّ لحظات الغربة إيلامًا تلك اللحظات التي ظللت طوال سنين الهجرة أهرب حتى من مجرد التفكير فيها: أن يأتيني نعيُ حبيب وأنا بعيد عنه، فلا أستطيع أن أكون في صفوف المصلين عليه، ولا بين أهله أواسيهم وأتقاسم معهم وجع الفقد.

ففراق الدنيا، مهما طال، يسكّن القلبَ فيه أمل اللقاء، أما فراق الموت فلا لقاء بعده في هذه الدار، وإنما رجاؤنا لقاءٌ لا فراق بعده في جنات الخلد، إن أكرمنا الله وإياهم برحمته وفضله.

وهي سنة الله في عباده، ما تزال سهام الابتلاء تنال منا، حتى فُجعت قبل قليل بوفاة عمي الحبيب، والصديق القريب إلى قلبي، الصابر العابد المبتلى، يوسف سليمان المحيسني، الأخ الأصغر لوالدي.

رحمك الله يا أبا سلمان رحمة واسعة، وغفر لك، ورفع درجتك، وجعل ما أصابك في دنياك رفعةً لك وتكفيرًا، وأحسن عزاءنا وعزاء أبي يوسف وإخوانك وأبنائك وأهلك ومحبيك.

ولست أنسى يوم سألته عن وِرده من القرآن، فقال لي:
منذ عشرين سنة لم أترك قراءة سورة البقرة كل يوم، ولو كنت في أشد أوقات الانشغال.

فقلت له: وما وجدت منها؟

فقال: سعة الصدر، والصبر على البلاء.

وكأن هذه الكلمات كانت تلخيصًا لسيرته في سنواته الأخيرة؛ فقد ابتُلي بالمرض، واشتد عليه البلاء حتى بُترت قدمه، فما عرفناه إلا صابرًا محتسبًا، يرجو ما عند الله، ويستعين به على وجعه، حتى صار الصبر رفيق أيامه والقرآن أنيس ساعات ابتلائه.

وصدق المصطفى ﷺ حين مرّت به جنازة فقال: «مستريحٌ ومستراحٌ منه»، ثم بيّن أن العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله. وأحسبك يا أبا سلمان، والله حسيبك ولا أزكي على الله أحدًا، من أولئك الذين استراحوا من نَصَب الدنيا وبلائها إلى رحمة أرحم الراحمين.

فكم أنهك المرض جسدك، وكم طال بك البلاء، وكم صبرت واحتسبت، حتى إذا انتهت أيام الامتحان، نرجو أنك أفضيت إلى ما هو خير؛ من ضيق المرض إلى سعة الرحمة، ومن ألم الجسد إلى راحة لا تنقطع، ومن دار الابتلاء إلى دار الجزاء.

وشاء الله أن يمتد به العمر حتى شهد قبل أيام زواج ابنته، وكأنما أُمهل حتى يفرح بها ويطمئن عليها، وينظر إلى ذريته وأبنائه الذين أحسن تربيتهم، ثم يودّع الدنيا وقد قرّت عينه بهم واطمأن قلبه عليهم.

مصابي فيك كبير يا عمي، ووجع البعد اليوم يضاعف وجع الفقد.

ليتني كنت أستطيع أن أكون اليوم ضمن المصلين عليك في المسجد الحرام، أو بين أهلك وأبنائك معزيًا ومواسيًا، أودعك الوداع الأخير، ولكن حالت بيننا الغربة والمسافات، ولم يحل بيننا وبينك الدعاء.

رحمك الله يا أبا سلمان…

لن أنساك ما حييت من صالح دعائي، وأسأل الله أن يجعل القرآن الذي عمّرت به أيامك أنيسًا لك في قبرك، وأن يجعل سورة البقرة التي صاحبتك عشرين عامًا نورًا لك، وأن يجعل مرضك وألمك وصبرك واحتسابك رفعةً في درجاتك وتكفيرًا لسيئاتك.

أسأل الله أن يبدلك بعد المرض عافيةً لا تنقطع، وبعد الألم نعيمًا لا يزول، وبعد فراقنا لقاءً في دار لا موت فيها ولا مرض، ولا غربة ولا فراق.

ولله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.

رحمك الله يا عمي الحبيب، وغفر لك، وأكرم نزلك، ووسع مدخلك، وجزاك عن صبرك وعبادتك وأهلك خير الجزاء، وجمعنا بك في مستقر رحمته وجنات نعيمه، لقاءً أبديًا لا يعقبه وداع.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

ابن أخيك المحب لك ولأبنائك
عبدالله المحيسني
من أرض الشام، بقلبٍ كان يتمنى أن يكون اليوم بين المشيعين لك في أرض الحرم.
https://t.me/shemmary
😢65❤35👍3😁3
August 30, 2026 5.5K 30 4