لم يكن لرأسي اليوم كتفٌ يستند إليه. غابت سالي، فاختلّ ميزان الطرقات… — ـ لِشَذى³³ ـ — TG.ME

ـ لِشَذى³³ ـفي اليومِ الثاني صارَ كلُّ شيءٍ يشبهني فجأةً، ربما بدا لي كلُّ شيءٍ معتادًا نسبيًا. ملامحُ الزملاءِ لم تعد غريبة، ولونُ الكراسي بهتَ حتى صارَ جزءًا من جلدِ المكان. حتى الطريقُ المؤدي إلى الجامعةِ صارَ يسبقني بخطوةٍ، ويمدُّ إليَّ رصيفَه كما تفتحُ لنا العادةُ…
لم يكن لرأسي اليوم كتفٌ يستند إليه.
غابت سالي، فاختلّ ميزان الطرقات فجأة.
الشوارع التي كنا نقطعها معًا انقسمت نصفين حين مشيتها وحدي، وقدماي اللتان تعوّدتا على إيقاع خطواتها، ضلّتا الطريق، وصارتا تائهتين أمام مبنى أعرفه جيّدًا، لكنه بلا سالي أصبح غريبًا!
وصلتُ متأخرة.
القاعة شبه ممتلئة، والمقاعد تحتضن أجسادًا اعتادت بعضها. مشيتُ في ممرّ القاعة، وكل العيون تلتفت إليّ باستغرابٍ صامت.
ربما بدوتُ ناقصة بدونها.
جلستُ على المقعد.
ذلك المقعد المائل قليلًا إلى اليمين، كرهتُ صريره حين حرّكته قليلًا، فتركته كما هو وجلست.
بدأ الدكتور يُطبّق الحقن على نفسه.
كنتُ خاوية، ومرعوبة من فكرة واحدة فقط: أن يطبّق هذا الرجل ما يشرحه على نفسه كي نتعلّم نحن.
كأن يمزّق نفسه أمامنا تشريحًا حيًّا، بينما نسمّيه علمًا!
ثم جاء دورنا للتطبيق.
وجوههم أزواجٌ وأزواج.
أما أنا فكنتُ الوليمةَ الأسهل.
"تفضلوا، طبّقوا عليّ" قلتها بعينيّ قبل لساني.
سمحتُ لهم أن يجرّبوا عليّ كل شيء، دون أن أجرّب على أحد.
كان أسهل أن أكون حقل تجاربٍ من أن أكون يدًا تُخطئ وتتألم في الوقت ذاته.
خرجتُ بعدها برفقة فتياتٍ تعرفت عليهنّ بلا يقينٍ أنهنّ لطيفات.
ذهبتُ لأتناول الفطور، احتسيتُ قهوتي المُرّة، وقضمتُ سندويتشًا واحدًا محشوًا بالفراغ.
فلم تكن هناك محاضرة أخرى.
عدتُ للقاعة، نظرتُ فيها، ثم غادرتها وتركتُ خلفي مقعدي مائلًا.
لم أترك عليه كتبي أو حقيبتي.
تركتُ يدي المثقوبة عليه كدليلٍ على:
أنهم علّمونا كيف نطبّق على بعضنا، ولم يعلّمونا ماذا نفعل حين يغيب الكتف الذي يتكئ عليه الرأس!


#شذى_ياسر
August 5, 2026 333