في اليومِ الثاني صارَ كلُّ شيءٍ يشبهني فجأةً، ربما بدا لي كلُّ شيءٍ معتادًا نسبيًا.
ملامحُ الزملاءِ لم تعد غريبة، ولونُ الكراسي بهتَ حتى صارَ جزءًا من جلدِ المكان.
حتى الطريقُ المؤدي إلى الجامعةِ صارَ يسبقني بخطوةٍ، ويمدُّ إليَّ رصيفَه كما تفتحُ لنا العادةُ صدرَها.
وسالي أيضًا..
صارت من الأشياءِ التي اعتدتُ عليها كثيرًا.
ما لم يكن مألوفًا لي اليومَ هو إرهاقُها الشديد.
ذلك الثقلُ الذي كان يمشي إلى جواري كجبلٍ صغيرٍ من السهر، ويسمحُ لي بالنومِ على كتفِها، بالرغمِ من أننا كنا نتشاجرُ صباحًا: من تريحُ رأسَها اليوم؟
وهي تقولُ: "اليومُ لي، فأنا متعبة".
كانت تمشي بالقربِ مني كتلةً من التعبِ والإرهاقِ، كأنَّ ليلَها الذي لم تنمهُ ركبَ ظهرَ النهارِ وأبى النزول.
جلست أمامي في القاعةِ، وجلستُ خلفَها مباشرةً،
جاءَ دكتورٌ اسمهُ محمدٌ ببدلةِ التمريضِ التي تشبهُ شراعًا في بحرٍ من الكراسي، يشرحُ لنا أساسياتَ الإسعافِ الأولي.
لم يرقْ لي الأمرُ في البدايةِ، فأنا أخافُ أن أؤذيَ أحدًا حتى بضربِ حقنةٍ لسلامتِه، ويدي ترتجفُ أمامَ فكرةِ أن أكونَ سببَ ألمٍ حتى لو كان دواءً.
وعلا الضجيجُ في القاعةِ، وهمساتٌ تقولُ: لمَ، ونحنُ لا نحتاجُه في أقسامِنا.
فجاءَنا بقصةٍ قشعرَ لها بدني، كأنها بردٌ دخلَ من نافذةٍ موصدة.
قال: "كان لي زميلٌ، كلما جاءت محاضرةُ التطبيقِ لتعلمِ الحقنِ أجهشَ بالبكاءِ".
فسألهُ الدكتورُ عن سببِ ذلك، فقال: "أنا رجلٌ أسكنُ الريفَ البعيدَ جدًا عن المدينةِ، أمي امرأةٌ كبيرةٌ مصابةٌ بالسكرِ، كانت تذهبُ لتحقنَ الأنسولينَ في المستوصفِ البعيدِ عنا، ففي يومٍ وأنا أجلسُ معها ارتفعَ سكرُها فجأةً، فخرجتُ أطرقُ على الجيرانِ: من يستطيعُ أن يحقن؟ فإذا بالجميعِ لا يعرفون.
فاضطررتُ أن آخذَها فوقَ دراجتي الناريةِ لمدةِ ساعتين.
وعندما وصلنا المستشفى كانت قد دخلت في غيبوبةِ سكري استمرت فيها خمسةَ أيامٍ، ثم ماتت".
يقولُ: "وأنا على دراجتي الناريةِ وأمي في حضني انهالت في رأسي كلُّ دوراتِ الإسعافاتِ التي قلتُ فيها: أنا لا أحتاجُها".
سكتت القاعةُ وكأنَّ أحدًا أطفأَ النورَ من الداخل.
القصةُ أثرت فينا طبعًا، وجعلت الجميعَ يركزُ على أصغرِ تفاصيلِ الإسعافِ الأولي كما يلتقطُ الغريقُ قشة.
كان دكتورًا بارعًا جدًا في جذبِ انتباهِنا نحوَ الطبِّ دونَ أن نمل.
كأنهُ يخيطُ لنا المعنى الحقيَّ للإسعافِ بإبرةٍ لا تؤلم.
خرجنا استراحةً بسيطةً، تناولتُ فيها الفطورَ برفقةِ سالي.
شطائرُ سريعةٌ، وكلامٌ قليلٌ، لأنَّ التعبَ كان يأكلُ الكلماتِ، مضغنا الصمتَ مع الجوعِ.
ثم عدنا.
وما إن عدنا حتى رأينا محمدًا آخر.
دكتورٌ نابغةٌ قد سبقَنا إلى القاعةِ، كأنهُ ينتظرُنا ليكملَ ما بدأهُ الأول.
فإذا بهِ يحفزُنا كثيرًا كثيرًا، وأعطانا نصائحَ تجعلُ منا أكاديميينَ، لم يعلمنا ذلك فقط.
فقد علمنا الانتماء.
كان يتحدثُ عن اليمنِ كما يتحدثُ العاشقُ عن امرأةٍ جريحةٍ لا يستطيعُ تركَها، زرعَ ذلك فينا ببطءٍ وبقوةٍ لا تشبهُ الكلامَ، كأنها تأتأةٌ تخرجُ من فمِ وصية.
أكملنا المحاضرةَ الثانية.
وغادرت.
غادرتُ وفي يدي دفترٌ، وفي صدري سؤالٌ يمشي معي:
تُرى حين يرتفعُ سكرُ أحدهم في منتصفِ الليل...
هل سأكونُ الإبرةَ؟
أم سأكونُ أنا الطريقَ الطويل!
#شذى_ياسر
August 4, 2026 364