كان يومًا حافلًا، انتهى بصداعٍ جلس على صدغيّ كتاجٍ لا أريده. بدأته… — ـ لِشَذى³³ ـ — TG.ME

كان يومًا حافلًا، انتهى بصداعٍ جلس على صدغيّ كتاجٍ لا أريده. بدأته برفقة سالي. كانت تمشي إلى جواري، وخطواتنا البطيئة ترسم على الرصيف إيقاعًا غير مألوفٍ لنا، وعيناي كانتا شاردتين في هذا العالمٍ الجديد عليّ، لأول مرة أراه بعينان لم تتلوثا بعد بالاعتياد. فكري كان مشدوهًا بكل شيء. بالمقاعد الخشبية التي التصق بها غبار الأيام، فجلستُ عليها دون أن أمد يدي كعادتي لأنفض عنها الكسل. كنت مشغولة بالدهشة. مركزة في المقاعد، ولوح الكتابة الأبيض الذي سيتحول بعد قليل إلى ساحة حرب للأفكار، والممرات الضيقة التي يتصادم فيها الحماس مع الخوف. انتظرنا كثيرًا. ثم جاء الدكتور فؤاد. جاء بلِباقةٍ تُشبه أول المطر، وبكلامٍ لطيفٍ يجعل حتى الكلمات الصعبة تستسلم. كانت بدايته خيرًا حقًا. لم تكن محاضرة تُلقى لنُنام عليها، ولا جبلًا من المصطلحات نُكلف بتسلقه. كان رجلاً فذًّا، حفّزنا حتى أيقظ فينا شيئًا نائمًا. أقام الفعاليات، وفتح حلقات النقاش عن التسويق، وجعلنا نبيع لبعضنا الأفكار قبل أن نبيعها للعالم. وجاء دور التطبيق. ترأستُ مجموعةً من تسع فتيات. تسع عقول، وتسع ضحكات، وتسع طرق مختلفة للفهم... جلسنا نتقاذف المعلومات كما يتقاذف الأطفال كرةً في ساحة المدرسة. اقترب الدكتور، انحنى على ما كتبناه، وقرأنا في عينيه الرضا قبل أن ينطق. سألني: "هل أخذتِ دورة من قبل؟" قلت: "لا. كل ما فهمته كان منك." فابتسم ابتسامة المُعلم الذي وجد تلميذته دون أن يبحث عنها، وقال: "أرحتني." خرجتُ من هناك. وفي ظهري كان هناك إنجازٌ صغير قد تشكّل، لكنه كان ثقيلًا بما يكفي ليتحول إلى جناحين. جناحان هشّان، من ورق وصداع، لكنهما كانا كافيين لأطير قليلًا فوق إحباطاتي. بعدها ذهبتُ مع سالي لنشتري الفطور، واقتسمنا الخبز والضحك... ضحكنا على أنفسنا ونحن نحس بتعبٍ لا يليق بنا.. تعب عجوزتين في العشرين، وكتفين مثقلين بالحياة قبل أوانها. وأخيرًا جاء وقت العودة. وحينها كان الصداع قد تربّع في رأسي. فوق الباص... لم أراقب النافذة كما أحب أن أفعل دائمًا، لم أطارد الغيوم ولا وجوه المارة. فقط أرحتُ رأسي على كتفها، وقلت لها بغباءٍ صادق: "إن تألمتِ أخبريني كي أستمر." فضحكت. وأغمضت عينيها، واستشعرت معي لحظات هذا اليوم: المتعب واللذيذ معًا. ففعلتُ مثلها. أغمضتُ عيني وتركت اليوم يسقط منّا... ورقةً ورقة، حتى لا يبقى منه إلا ذلك الجناح الصغير الذي نبت في ظهري حين قال لي الدكتور: " أرحتني! " #شذى_ياسر

August 3, 2026 354