مرحبًا محمد…
تعال هذه الليلة، واجلس بجانبي قليلًا…
لا كالرجل الذي اعتاد أن يُخفي ضعفه، ولا كشخصٍ يحاول أن يبدو بخير أمام العالم، بل كإنسانٍ أنهكته الحياة حتى صار لا يعرف كيف يشرح ألمه.
أعرفك جيدًا أعرف ذلك الصمت الذي يسكنك حين ينتهي كل شيء من حولك، وتبقى وحدك أمام أفكارك، كأنك تُحاكم نفسك كل ليلة دون رحمة.
أعرف شعورك حين تنظر إلى عمرك وتتسائل بخوف: كيف مرّ كل هذا الوقت وأنا لم أعش فعلًا؟
أنت لا تبكي فقط على أحلام سقطت
بل تبكي على نفسك التي سقطت معها.
تبكي على ذلك الطفل الذي كان يسكنك يومًا، الطفل الذي كان يظن أن العالم مكانٌ عادل، وأن القلوب الطيبة لا تُخذل، وأن التعب لا يدوم طويلًا.
لكن الحياة جائت مبكرًا أكثر مما ينبغي، وصفعتك بقسوة حتى كبرت روحك قبل ملامحك.
اعلم جيدا ياعزيزي كم مرة اضطررت أن تكون قويًا فقط لأنه لا يوجد خيار آخر .
كم مرة كنت تحتاج أن تنهار، لكنك ابتلعت دموعك خوفًا من أن يراك أحد ضعيفًا؟
أنت لم تعش طفولتك كما يجب…
كنت تكبر بينما الآخرون يلعبون، وتفكر بينما الجميع ينامون مطمئنين، وتحمل في قلبك خوفًا لا يشبه عمرك أبدًا.
حتى أحلامك يا عزيزي
لم تمت دفعةً واحدة، بل ماتت ببطئ
كل خيبة أخذت جزءًا منها، وكل انتظارٍ طويل أطفأ فيها شيئًا، حتى أصبحت تنظر إلى مستقبلك وكأنك تنظر إلى مدينةٍ احترقت ولم يبقَ منها سوى الدخان.
كنت تريد حياة بسيطة فقط…
قلبًا مطمئنًا، وبيتًا يشبه الأمان، وأيامًا لا تُثقل روحك كل هذا الثقل، لكن حتى الأشياء البسيطة بدت بعيدة عنك بشكلٍ مؤلم.
اعلم انك متعب متعب بطريقة لا تظهر تحت العينين فقط، بل تظهر في روحك كلها.
في تلك الرغبة المفاجئة بالابتعاد عن الجميع، في صمتك الطويل، في فقدانك للشغف تجاه كل شيء كنت تحبه.
حتى الأشياء التي كانت تمنحك بعض الضوء… أصبحت باهتة.
وكأن الحياة تسحب منك ألوانها يومًا بعد يوم، وأنت عاجز عن إيقاف ذلك
اعلم ان الحياة استنزفت كل ما بداخلك
لكن الحقيقة التي لا تقولها لأحد…
أنك رغم كل هذا، ما زلت تقاوم.
حتى وأنت متعب، ما زلت تستيقظ.
حتى وأنت مكسور، ما زلت تحاول أن تبدو بخير.
وحتى وأنت غارق في هذا الظلام، ما زال فيك جزء صغير يرفض الموت.
وأنا أعرف أن قلبك لم يكن سيئًا يومًا …
أنت فقط كنت شخصًا بريئ عاش في عالمٍ قاسٍ أكثر من اللازم.
كنت تمنح الناس من روحك بصدق، بينما الحياة كانت تعيد إليك الخذلان بأشكال مختلفة.
ولهذا أصبحت تتعب من كل شيء بسرعة، لأن روحك استنزفت طويلًا دون أن يجد من يحتويها كما احتويت الجميع.
وفي آخر الليل…
حين تنطفئ الأصوات كلها، وتبقى وحدك مع نفسك، أعرف أنك تسأل الله بصمت:
“متى أشعر بالراحة؟
متى يتوقف هذا الثقل داخلي؟
ومتى أعود أنا؟”
وأقسم لك يا محمد…
أن الإنسان لا يتحمل كل هذا الألم عبثًا.
ربما تأخرت الطمأنينة، وربما ضاعت منك أشياء كثيرة، لكن روحك التي صبرت كل هذا الوقت تستحق يومًا ما أن تُجبر، أن ترتاح، أن تجد أخيرًا مكانًا لا تحتاج فيه إلى التظاهر بالقوة.
فلا تكره نفسك بسبب تعبها…
ولا تعاتب قلبك لأنه لم يعد يحتمل أكثر.
أنت لم تكن ضعيفًا أبدًا…
أنت فقط كنت تحمل فوق روحك عمرًا كاملًا من الحزن، وتسير به وحدك.
Mohammed Assanwy





