٩٠- وجاءت *بنو تيم* يتعادون،
فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر،
وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب،
حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم
فدخلوا المسجد وقالوا : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة « والده » وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب،
فتكلم آخر النهار فقال : ما فعل رسول الله ﷺ ؟
فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه،
وقالوا لأمه أم الخير : انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول : ما فعل رسول الله ﷺ ؟
فقالت : والله ما لي علم بصاحبك،
فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل،
فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله،
فقالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟
قالت : نعم،
فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح وقالت : والله إن قومًا نالوا منك لأهل فسق وكفر، إنني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم،
قال : فما فعل رسول الله ﷺ ؟
قالت : هذه أمك تسمع،
قال : فلا شيء عليك منها،
قالت : سَالِم صَالِح،
قال : أين هو ؟
قالت : في دار الأرقم،
قال : فإن لله عليَّ أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله ﷺ ،
٩١- فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرِّجْلُ وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ،
فقال : فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبَّله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال : فدعا لها رسول الله ﷺ ، ودعاها إلى الله فأسلمت.
٩٢- إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر، لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام، ونحاول أن نستخرج بعض هذه الدروس التي منها :
١ / حرص الصديق على إعلان الإسلام وإظهاره أمام الكفار،وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته، وقد تحمل الأذى العظيم، حتى إن قومه كانوا لا يشكون في موته.
لقد أُشْرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه بعد إسلامه إلا أن تعلو راية التوحيد، ويرتفع النداء : لا إله إلا اله محمد رسول الله في أرجاء مكة، حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلا أن يدفع حياته ثمنًا لعقيدته وإسلامه.
٢ / إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين، الذي خالطت بشاشته القلوب، رغم علمه بالأذى الذي قد يتعرض له وصحبه، وما كان ذلك إلا لأنه خرج من حظ نفسه.
٣ / حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر وتغلب على حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألَمَّ به كان أول ما سأل عنه : ما فعل رسول الله ﷺ ؟
قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتى يأتي رسولَ الله ﷺ ، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ﷺ عند كل مسلم؛ أحب إليه مما سواهما، حتى لو كلفه ذلك نفسه وماله.
٤ / إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه الأحداث والتعامل مع الأفراد حتى مع اختلاف العقيدة، فهذه قبيلة أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر.
٥ / تظهر مواقف رائعة لأم جميل بنت الخطاب، توضح لنا كيف تربت على حُب الدعوة والحرص عليها، وعلى الحركة لهذا الدين، فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله ﷺ قالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، فهذا تصرف حذر سليم؛ لأن أم الخير لم تكن ساعتئذ مسلمة، وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولا تود أن تعلم به أم الخير، وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول ﷺ مخافة أن تكون عينًا لقريش، وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن تطمئن على سلامة الصديق، ولذلك عرضت على أم الخير أن تصحبها إلى ابنها، وعندما وصلت إلى الصديق كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان رسول الله ﷺ ، وأبلغت الصديق بأن رسول الله ﷺ سالم صالح، ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية، التي تفتن الناس عن دينهم، في خروج الثلاثة عندما ( هدأت الرجل وسكن الناس ).
٦/ يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله ﷺ : هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار. إنه الخوف من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته،
ولقد دعا رسول الله ﷺ لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر، وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى. ونلمس رحمة الله بعباده ونلحظها من خلال الحدث ( قانون المنحة بعد المحنة ).