ألطافٌ في كنف العناية). رسائل الله وألطافه بعبده كثيرة متوالية، ولست… — رَوائم — TG.ME

(ألطافٌ في كنف العناية).

رسائل الله وألطافه بعبده كثيرة متوالية، ولست أخشى انقطاع اللطف بقدر ما أخشى الإعراض عنه، فالحرمان يكون بفقد القدرة على قراءة الرسائل السماوية في التفاصيل اليسيرة فضلًا عن غيرها، فاللطف قد يأتيك في كلمة عابرة، أو ضيقٍ مفاجئ يصرفك عن سوءٍ كنت تهرع إليه، أو حرمانٍ من أمنيةٍ ألححت بها وكان في طياتها بلاءٌ صرفه الله عنك، أو حتى فكرةٍ تخطر على بالك فجأة فيصلح بها شأنك، وغيرها من الإشارات التي لو جمعتَ خيوطها لوجدت نفسك محاطًا بسياجٍ من الرعاية، لا يخرقه إلا غفلة القلب، أو توهم الاستغناء بالأسباب.

والغفلة تكون عند اعتياد النعم فلا ترى لتلك الألطاف بريقًا في عينك، أو بعد نجاتك من هلكة؛ فتنسب ذلك لذكائك أو حسن تدبيرك، أو عندما يُساق إليك الرزق؛ فتظن أنها الأسباب التي أوصلتك إليه، متناسيًا يد اللطف الخفية التي مهدت لك طريقه، وصرفت عنك موانعه، أو عندما ترى المصادفات مجرد حظوظ، وهي في حقيقتها مواعيد قدريّة، تستوجب منك الوقوف والتأمل، وغير ذلك ألطاف وألطاف لا يعلمها كثيرٌ من الناس!

واستشعار تلك الألطاف يقيم العبد في مقام الشكر، فيستجلب المزيد من اللطف والعناية، وخوفه من الإعراض علامة على حياة قلبه، لأنّ الخوف من البعد أول درجات القرب، والعبد لا يحتاج إلى البحث عن اللطف بقدر حاجته إلى تخلية قلبه من الأكدار حتى يبصر أين يقع، فربما أغمض عينيه فظن أنه في ظلام وهو في وسط الضياء، ومقيمٌ في كنف العناية، وعليه أن يستحضر دائمًا أن ما خفي من لطف الله أعظم وأجل مما ظهر، فلطفه يجري وعبده لا يدري.

اللهم لا تجعلنا ممن عميت بصائرهم عن رؤية فضلك، ولا ممن قست قلوبهم عن استشعار رحمتك، واجعلنا نرى لطفك في كل عطاء وتعجيل، وفي كل منع وتأخير، ونسألك قلوبًا مطمئنة لحكمتك حين تضيق بنا السبل، ولا تجعلنا من الذين يمرون على آيات لطفك وهم عنها غافلون.
August 27, 2026 2.1K 30