. . . عندما وصلا أخيرًا إلى وجهتهما، وترجلا من السيارة، قال لها محذرًا بنبرة بدت جادة جدًا: -"انتبهي.. سمعت إن فيه نهر قريب هنا، لا نطيح فيه!" لوحت بالعصا في الهواء محتجة: -"طيب افتح عينك.. هذه ما فيها مزح ولعب!" -"أنا معك.. إن طحتِ طحت، وإن نجيتِ نجيت". -"لحّول، أنت بتودينا للتهلكة سِيده.." سكتت لبرهة، وراحت تمرر عصاها على الأرض يمينًا وشمالًا تتفقد المكان، ثم أردفت: -"خلاص، خلينا نجلس هنا". جلست وجلس بجانبها. التفت نحوها برأسه المعصوب وطلب منها أن تتخيل المكان… أخذت نفسًا عميقًا، واستنشقت الهواء النَّقي الذي يفوح برائحة العشب النَّدي.. -" أتخيله تل أخضر، تحيط به الجبال.. جبال شاهقة عاليها ثلوج، والشمس وراها ما نشوف إلا أشعتها..." بينما استرق جرَّاح النظر من تحت عصبته مجددًا، متأملًا اللوحة الحقيقية الممتدة أمامهما: -"لا عاد.. أنا أتخيله سهل أخضر ممتد، ينتهي بغابة كثيفة أشجارها متشابكة وعالية، وعن يميننا ويسارنا مزارع وأكواخ"… كان هذا اليوم من الأيام الأخيرة المعدودة قبل أن يفسد كل شيء، وتذهب كل محاولاتهم الحثيثة لبناء حياة مستقرة... سُدى. . . .
9
1