. . . فكرة أنها محبوسة كانت تكفي لتُشعرها بالاختناق، ويزيدها ضيقًا أنه خرج منفعلًا وغاضبًا، دون أن تفهم لماذا. ماذا لو لم يعد اليوم؟ هل ستبقى هنا حتى المساء... أو إلى الغد؟ هذه الفكرة بحد ذاتها كانت كفيلة لإقحامها في حالةٍ من التوتر والاضطراب. شعرت بحرارة جسدها ترتفع حتى بدأت تتعرق؛ التفتت تبحث عن هاتفها فوجدته وبطاريته تقل عن الثلث بقليل، والشاحن في الخارج! انقبض صدرها، فلا يمكنها استهلاك ما تبقى منها؛ قد تحتاج الاتصال به، أو بغيره إن طال الأمر. كانت الأفكار تتوالد بسرعة، أسرع من قدرتها على إيقافها. أغمضت عينيها.. شهيق... زفير... ثم عادت تطوي ملابسها المنتثرة، تتشبث بأي عملٍ يشغلها، ولكن بلا جدوى، كانت الهواجس تملأ رأسها. ولما لم تجد شيئًا يشتت ذهنها، رفعت صوتها بالغناء لعله يغطي على صوت أفكارها، ويبدد الصمت الذي يحيط بها... -"أنا وأخي.. شوقٌ يدفعني لأراها.. أمي ذكرى لا أنساها..." خرج صوتها مبحوحًا، متحشرجًا، مرتجفًا.. وبدل أن يخرجها مما هي فيه، زادها همًا وكربًا.. فسكتت. طافت الوجوه في خيالها؛ رأت جرّاح.. ووالدتها. تذكرت منظر أمها يوم زفافها؛ كانت نحيلة، وجهها ذابل، وملامحها متعبة. أين تلك المرأة "اللي ما يهزها ريح" وتملأ المكان حضورًا؟ تذكرت كيف تقدمت إليها في ذلك اليوم، وكيف صدت هي عنها، وذهبت. استعجلت في مغادرة القاعة حتى لا تواجهها. لم تكن مستعدة يومها... وليست مستعدة إلى الآن. ولكنها اشتاقت لوجود شخص صلب في حياتها.. شخص يمكنها الاتكاء عليه. جرّاح... كانت تخاف عليه أكثر مما تشعر بالأمان معه، لذا آثرت أن تواجه ذلك العبث وحدها، على أن تظل خائفة من خسارته في كل لحظة. أما سلامة، فلطالما شعرت بأنهما عبء عليه. وبالنسبة لوالدها، فلم يكن يومًا شخصًا يمكن الاعتماد أو الاستناد عليه. لم يبق في ذاكرتها إلا والدتها. رغم شدتها... رغم قسوتها... رغم أنهم نادرًا ما يتفقون معها... إلا أنها كانت تعرف يقينًا أنها إذا وقفت في صفها، فلن تسمح لأحدٍ كائنًا من كان، أن يمسها بسوء. . . .
10
1