من أكثر الأسئلة التي تتكرر في لقاءاتي مع الآباء والأمهات:
كيف نحفّظ أبناءنا القرآن الكريم؟
وقد طال تأملي في هذا السؤال، وراجعت ما كُتب فيه، وتأملت تجارب كثير من الأسر ودور التحفيظ، وأرى أن المشكلة ليست في أن الأطفال لا يستطيعون حفظ القرآن، وإنما في أننا كثيرًا ما نبدأ من المكان الخطأ.
نحن نبدأ بالحفظ...
بينما القرآن بدأ ببناء القلب.
فالجيل الأول لم يكن يتلقى القرآن على أنه مادة دراسية، وإنما على أنه كلام الله الذي يهدي، ويزكي، ويصنع الإنسان.
ولهذا أرى أن تحفيظ الطفل القرآن ينبغي أن يقوم على أصول متكاملة:
أولًا: أن يسبق الحبُ الحفظ.
فالطفل الذي يحب القرآن، سيصبر على حفظه، أما الذي يُكره عليه، فسيبحث عن أول فرصة لتركه.
ولا ينشأ الحب بالمطالبة، وإنما ينشأ حين يرى القرآن حاضرًا في حياة والديه، وحين يشعر أن البيت يعظم كلام الله.
ثانيًا: أن تكون البداية بالقصص القرآني.
فالطفل مفطور على حب القصة.
ولهذا امتلأ القرآن بقصص الأنبياء؛ لأنها تخاطب العقل والقلب معًا.
إن تعلّم سورة يوسف، أو الكهف، أو نوح، مع شرح أحداثها، يربط الطفل بالقرآن ربطًا وجدانيًا، ويجعل الحفظ رحلة ممتعة، لا واجبًا ثقيلًا.
وأحسب أن كثيرًا من الأطفال يحفظون الآيات أسرع حين يعرفون الحكاية التي تحملها.
ثالثًا: أن يكون الحفظ قليلًا، لكن دائمًا.
فالقرآن لا يحتاج إلى اندفاع أسبوع، بل إلى صحبة سنوات.
ولهذا فإن الوجه الذي يُحفظ بإتقان، خير من خمسة أوجه تُنسى بعد أيام.
رابعًا: أن تكون المراجعة أكثر من الحفظ.
وقد لاحظت أن كثيرًا من الناس يهتمون بما حفظه الطفل اليوم، أكثر من اهتمامهم بما بقي معه بعد سنة.
والقرآن إن لم يُراجع، تفلّت.
خامسًا: ربط الآيات بالحياة.
فإذا حفظ الطفل قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، رأى هذا الإحسان في بيته.
وإذا حفظ آيات الصدق، وجد والديه يعيشان الصدق.
فالقدوة تحفظ من القرآن ما لا يحفظه اللسان.
سادسًا: ألا يتحول القرآن إلى ساحة للعقوبات.
فكم من طفل أحب القرآن، ثم كرهه؛ لأن كل مجلس حفظ انتهى باللوم، أو المقارنة، أو الغضب.
والقرآن أُنزل ليكون رحمة... فلا ينبغي أن تكون أول علاقة الطفل به علاقة خوف.
وأرى أن أعظم نجاح في تعليم القرآن ليس أن يقال:
هذا الطفل ختم القرآن في العاشرة.
بل أن يقال بعد ثلاثين سنة:
هذا رجل ما زال القرآن رفيقه، يقرأه بمحبة، ويحتكم إليه، ويستضيء به في حياته.
فحفظ القرآن نعمة عظيمة...
لكن أعظم من الحفظ أن يصبح القرآن قائدًا للقلب، والعقل، والسلوك.
د. عبد الكريم بكار









