▪️المرآة
▪️عدنان الجنيد
كثير من البنات يقضين أوقاتا طويلة أمام المرآة؛ لا يكاد يمر وقت إلا وتنظر إحداهن إلى وجهها وجسدها، وكأن المرآة أصبحت شغفها الذي لا ينتهي.
ولا بأس أن تنظر المرأة إلى نفسها لتتفقد هيئتها وتعتني بمظهرها، فهذا من الفطرة، ولكن المشكلة حين يتحول الأمر إلى انشغال دائم، فتجلس طويلا أمام المرآة، وتنسى أن أجمل ما في الإنسان ليس ما تراه العين، وإنما ما يسكن القلب.
وقد سمعت عن امرأة كانت تطيل النظر إلى نفسها في مرآة الحمام، وتكرر ذلك مرارا، حتى قالت أنها في إحدى المرات، وهي تنظر إلى المرآة، رأت رجلا مكان صورتها، فصرخت واشتد عليها الخوف والدوار.
ومثل هذه الحكاية سواء كانت صحيحة أو ليست كذلك ففيها عبرة لمن اعتبر.
يا ابنتي، لا تجعلي المرآة أكبر همك؛ فإن العين إذا انشغلت بالصورة قد تغفل عن السريرة، وإن النفس إذا أدمنت النظر إلى ظاهرها ربما نسيت أن تصلح باطنها.
اهتمي بجمالك، ولكن لا تنسي جمال الروح. نظفي وجهك، ونظفي معه قلبك. زيني شعرك، وزيني معه أخلاقك. انظري إلى هيئتك في المرآة، ثم انظري إلى قلبك في مرآة الصدق.
فالإنسان ليس بجسده وحده؛ جسده إلى التراب صائر، وإنما يبقى منه أثر روحه، وصدق قلبه، وحسن خلقه، وما قدمه بين يدي الله.
وكان أهل البصيرة يقولون بمعنى جميل: اجعل قلبك مرآتك، فإنها المرآة التي تكشف لك ما لا تكشفه المرايا.
فإذا وقفت أمام المرآة فلا تسألي فقط: كيف أبدو؟
بل اسألي: كيف قلبي؟ هل في صدري حقد؟ هل آذيت أحدا؟ هل ظلمت؟ هل قصرت في حق الله؟ هل أزداد كل يوم جمالا في الخلق كما أزداد جمالا في الخِلقة؟
تلك هي المرآة الحقيقية.
ولا بأس أن تنظري إلى نفسك دقائق للعناية والنظافة والترتيب، لكن لا تضيعي ساعات عمرك في مراقبة صورتك؛ فالعمر أنفس من أن يذهب كله في ملاحقة صورة ستتغير مع الأيام.
فمن اشتغل بصورته نسي حقيقته، ومن اشتغل بحقيقته هان عليه أن تتغير صورته.
فاجعلي مرآتك تذكرك بالله، لا تشغلك عن الله، واجعلي الاستقامة مرآتك، والحياء زينتك، والصدق جمالك، وحسن الخلق عطرك، وصفاء القلب أجمل صورة تحملينها معك حيثما ذهبت.
فما أجمل امرأة إذا نظرت إلى المرآة فرأت وجهها ثم أغمضت عينيها فرأت قلبها، ثم قالت :" اللهم كما حسَّنت خلقي فحسِّن خًُلقي وكما زينت ظاهري فزين باطني، واجعل أجمل ما في وجهي نور ما في قلبي"
4September 5, 2026 22