تساؤلاتٌ في حلمِ رجلٍ آخرَ
أقطنُ في حيٍّ يُطلق عليه "حارة البدو"! لا أعلم أيُّ بدوٍ نُسب لهم الحي!، رُغم أنني أجد البعض أشدَّ مكراً من الثعلب.. لعلني البدويُّ الوحيد الذي لا يفقه تضاريس هذه "البنية" الثقافية المعقّدة، وهذا المكر المتأصل في جغرافية هذه المنطقة.
العمارة التي أسكنُ فيها تتكون من ثلاثة طوابق، وحتماً أنا في الطابق الأرضي؛ لم أمتلك النفوذ التي ستقودني إلى الطابق الثالث بعد. أحتجُّ كثيراً إذا سألني أحدٌ ما: "لماذا تعيش في الطابق الأرضي؟".. بأنني لا أملكُ الوقت الكافي حتى في امتطاء الدرج صعوداً ونزولاً كل يوم!
أنا الذي أمضي يومي كاملاً بالحملقة في جدران الغرفة، والبحث عن شيءٍ لا أعرفه حتى الآن.. شيء غريب يقودني إلى هذه الحملقة القهرية، والتحجر الوجودي للذات، حتى أكاد أشعر أحياناً أن جسدي بدأ يتصلبُ كالجدار! رُغم كل هذا أنا لستُ مكترثاً، لا بأس أن أكون جداراً.. لعلك تستند عليَّ يوماً ما. ولستُ هنا لكي أبحث معك تفسيراً لهذه الظاهرة، إنما هناك شيء آخر لا أفهمه بعد.. تستوطنُ العمارة التي أسكنُ فيها -أو بالأحرى التي تسكنُ فيَّ، فلقد أصبحتُ أكثر تحجراً منها- بالقرب من مقبرة!
لم يكن هذا محض صدفة أو زهداً مني حتى أبقى متذكراً للآخرة وأن الحياة خاتمتها الموت كلما مررتُ بالقرب من المقبرة، بل إنه نتاجٌ لجشع المد العمراني وطغيان الهياكل الخرسانية على المنطقة، حتى وصل المدُّ إلى أطراف المقبرة. أكادُ أجزم أن الأحياء سينبشون المقبرة ويخرجون الأموات من منازلهم ليبنوا منازلاً لهم! إنه نوعٌ من أنواع الاستيطان الوجودي في هذه الحياة، لا فرق بينهم وبين الصهاينة؛ فكلاهما يستخدم سلطة النفوذ وغطرسة الجرافات.
الغريب في الأمر ليس هذا، بل إنني عندما أمرُّ بالقرب من المقبرة لا أشعرُ بأي شيء.. نعم، نعم، بأي شيء!!!!! أنا الذي كنتُ في صغري تضيقُ علي الأرضُ بما رحبت، وتظلمُ الدنيا في عينيَّ، وأحبسُ نفسي في غرفتي ثلاثة أيام متتالية لا أخرج منها إلا إلى المطبخ؛ إذا مات أحدٌ في القرية، خوفاً أن تطولني يد الموت! أكاد أقسم لك أنني كنت أعيش أهوالاً أشد رعباً من أن تنام سعيداً ثم تستيقظ على قيام الساعة!!!
هل لك أن تتخيل حجم هذه المعاناة التي اكتشفتها للتو! لعلني أخطأت في اكتشافها، لعله كان الجدير بها أن تبقى نائمة؛ فأنا أمرُّ بالقرب من المقبرة منذ سبعة أشهر، لم تتجرأ ذاتي من قبل على طرح هذه التساؤلات. اليوم وأنا عائدٌ من سوق "عبدو سيف" للقات، لمحتُ مجموعة من الناس يوارون جسد رجلٍ تحت التراب، حملقتُ في وجوههم الحزينة لبرهة ثم قلت في نفسي: "أغبياء هه !!!".. سيدفنونه اليوم ثم سيخرجه المدُّ العمراني غداً، تحت ذريعة "الحيُّ أبقى من الميت".
ثم أكملتُ طريقي إلى المنزل وفجأةً اقتادتني ذاكرتي إلى الماضي السحيق، حينما كان الموتُ يرعبني. وقفتُ طويلاً أمام إحدى المباني الشاهقة التي بُنيت بالقرب من المقبرة كما يدعون، بدأت التساؤلات تنهال عليَّ وبدأت لا أعرف شيئاً ولا أفهم شيئاً ولا أشعر بشيء سوى ظهري الذي أسندتُه على حائط العمارة.. لعله كان ظهر رجلٍ من سكان المقبرة أستندُ عليه الآن؟
لعلني لستُ ذاك الطفل!!! لعلني متُّ منذ زمن طويل والآن أعيشُ في حلم رجلٍ آخر؟ ولكن كيف، كيف أشعر بالألم إذا كنتُ في حلم رجلٍ آخر، أليس الألم هو مقياس الحياة؟ ولكن كيف سيكون الألم مقياس الحياة وهو وهمٌ ابتكره الدماغ ليحكم قبضته على بقية الأعضاء؟ حتى في الأحلام نشعر بهذا الوهم وقوة جبروته.. لربما أنني أعيشُ في لعبة فيديو متطورة جداً صُنعت في العالم الموازي إذاً؟
3/4/2026