المشكلات المستعصية أولًا: في التصوّر الشائع، أو وهمُ أنّ كلّ مشكلةٍ… — سفيان ناصرالله — TG.ME

المشكلات المستعصية

أولًا: في التصوّر الشائع، أو وهمُ أنّ كلّ مشكلةٍ آلةٌ معطوبة
جرى في أذهان الناس، وفي أذهان كثيرٍ من أهل التدبير قبلهم، أنّ المشكلات كلّها من جنسٍ واحد، وأنّ الفرق بينها فرقُ مقدارٍ لا فرقُ طبيعة: فمنها الصغير ومنها الكبير، ومنها السهل ومنها العسير، لكنّها جميعًا - في زعمهم - تجري على منوال الآلة المعطوبة: عطلٌ يُشخَّص، وسببٌ يُعزَل، وقطعةٌ تُستبدَل، ثم تدور الآلة فيُعلَن الفراغ من الأمر.

ومن هذا التصوّر تناسلت دعاوى ثلاث:

الأولى: أنّ المشكلة معطاةٌ قبل الحلّ، تامّةَ التعريف، قائمةً في الخارج قيامَ الصخرة في الطريق؛ فما على الناظر إلا أن «يصفها وصفًا دقيقًا» ثم ينتقل إلى علاجها، والوصف عنده مقدّمة بريئة لا يد لها في المتن.
والثانية: أنّ العلاقة بين الداء والدواء علاقةٌ خطّية متناسبة: سببٌ واحد يقابله أثر واحد، وضِعفُ الجرعة يعطي ضِعفَ الشفاء؛ فإذا ضاق المجرى وُسِّع، وإذا قلّ المورد زيد، وكلّما عظُم التدخّل عظُمت الثمرة.
والثالثة: أنّ الحلّ قابل للاختبار والإقفال: تجرّب فتنظر، فإن أصبتَ أقفلتَ الملفّ وأعلنتَ النصر، وإن أخطأتَ رجعتَ أدراجك وجرّبتَ غيره، والنظام صابرٌ على تجاربك صبرَ المعدن على المطرقة.

وهذا التصوّر صادقٌ صدقًا تامًّا في بابه: في إصلاح المحرّك، وبناء الجسر، وحلّ المعادلة - فيما اصطُلح على تسميته «المشكلات المروَّضة» (Tame Problems)، حيث المعطيات بيّنة، وقواعد اللعبة ثابتة، والخصم جمادٌ لا يردّ. غير أنّ الآفة كلّ الآفة في تعميمه: في حمل مشكلات المدينة والمجتمع والاقتصاد والتربية على قياس المحرّك والجسر، مع أنّ بينهما من الفرق ما بين مَن يصارع صخرةً ومَن يصارع خصمًا يتعلّم حركاتِه ويجيب عليها. فالجسر لا يجيبك؛ والمدينة تجيبك.

ثانيًا: في تهافت هذا التصوّر، أو أركانُ الوهم الثلاثة تحت المطرقة

١. نقض الدعوى الأولى: تعريفُ المشكلة ليس مقدّمةً للنزاع، بل هو النزاعُ نفسه


أوّل ما ينهار من البناء دعوى «المشكلة المعطاة». ففي الشأن الإنساني المركّب لا توجد مشكلةٌ قائمة في الخارج تنتظر مَن يصفها؛ وإنما توجد حالةٌ يختلف الناظرون في قراءتها اختلافَهم في مواقعهم ومصالحهم وقيمهم: فما يراه المهندس ضيقًا في الطرق، يراه الاقتصادي سوءًا في تسعير الاستعمال، ويراه العمراني خللًا في توزيع السكن والعمل، ويراه عالم الاجتماع عبادةً للسيارة بوصفها رتبةً ومقامًا. وليس هذا اختلافًا في «زوايا النظر» يُرفَع بمزيد بيانات، بل اختلافٌ في تركيب المشكلة ذاتها: فكلّ صياغةٍ للمشكلة تُضمر حلًّا بعينه، وكلّ حلٍّ يعيد رسم المشكلة على مقاسه.

ومن هنا قرّر ريتل وويبر أنّ صياغة المشكلة المستعصية هي المشكلة؛ فالتعريف ليس بابًا تدخل منه إلى المعركة، بل هو أوّل ضربةٍ فيها. بل أدقّ من هذا: أنّك لا تفهم المشكلة فهمًا حقيقيًّا إلا بعد أن تحاول حلّها، فيرتدّ إليك النظام بجوابه؛ فالمعنى هنا لا يسبق الاستعمال، بل يتولّد من مقاومة الواقع له- والحالّ يكتشف مسألته وهو يخوضها، لا وهو يتأمّلها من الشاطئ.

٢. نقض الدعوى الثانية: النظام لا يتلقّى الضربة، بل يمتصّها ويردّها

وأمّا دعوى الخطّية فيكفي في نقضها أنّ الأنظمة الاجتماعية ليست أوعيةً سلبية تُصبّ فيها الحلول، بل شبكاتٌ من حلقات التغذية الراجعة تمتصّ التدخّل وتعيد توجيهه، وربما قلبته على صاحبه. وهذا ما سمّاه جاي فورستر «السلوك المضادّ للحدس في الأنظمة الاجتماعية»: أن يأتي أثرُ التدخّل من حيث لا يُنتظَر، وأن تنتج السياسةُ نقيضَ مقصودها، لأنّ المتدخّل عالج العرَض في موضع ظهوره، والنظامُ نقل الحِمل إلى موضعٍ آخر لا تراه عينُ المعالج. فالنظام المركّب لا «يُصلَح» كما تُصلَح الآلة؛ وإنما يُفاوَض كما يُفاوَض حيٌّ له ذاكرة وإرادة تكيّف.

٣. نقض الدعوى الثالثة: لا خطَّ نهاية، ولا رصاصةَ تُستردّ

وأمّا دعوى «الاختبار والإقفال» فتتكسّر على صخرتين:
الأولى: غياب قاعدة التوقّف (No Stopping Rule). فالمشكلة المستعصية لا تبلغ قطّ نقطةً يُقال عندها «انتهى الأمر»؛ إذ لا معيار جامع يُحتكَم إليه، ولا حلّ يوصف بأنه «صواب» أو «خطأ»، وإنما «أحسن» أو «أسوأ» في ميزان أطرافٍ متنازعةِ الموازين أصلًا. فأنت لا تنتصر على الزحام؛ وإنما تعقد معه هدنةً تُراجَع كلّ حين.

والثانية: أنّ كلّ محاولةٍ عمليةٌ بطلقة واحدة (One-shot Operation). فالتجربة في المختبر تُمحى وتُعاد، أمّا التجربة في المدينة فتترك أثرها في الإسمنت والسلوك والتوقّعات أثرًا لا يُمحى: الجسر الذي بنيتَه غيّر خريطة السكن، والسكن غيّر أنماط التنقّل، والأنماط رسّخت مصالح لا ترضى بالرجوع. فليس لك أن تعيد عقارب الساعة لتجرّب البديل «في الظروف نفسها»، لأنّ الظروف نفسها قد ماتت بتجربتك الأولى. ومَن ظنّ أنه «يجرّب» في نظامٍ حيّ فقد جرّب فيه شيئًا واحدًا على الأقل بلا رجعة: أنّه علّمه كيف يراوغه.
❤9👍1👏1
July 8, 2026 606 1 4