في فبراير 1932، قرر تشادويك أن يثبت ذلك عملياً . صمم جهازاً بسيطاً: أسطوانة تحتوي على مصدر لبولونيوم مشع (يصدر ألفا) وهدف من البريليوم. الإشعاع الناتج يوجه نحو هدف (مثل البارافين)، والبروتونات المنطلقة تدخل غرفة تأين صغيرة، حيث يمكن قياسها .
بعد أسبوعين فقط من التجارب المكثفة، كان تشادويك يملك الإثبات .
كتب رسالة عاجلة إلى مجلة Nature بعنوان: "الوجود المحتمل لنيوترون" . بعد أشهر، نشر الورقة الكاملة: "وجود النيوترون" .
قاس كتلة النيوترون بدقة باستخدام قوانين حفظ الطاقة والزخم، فوجدها 1.0067 ضعف كتلة البروتون . كان هذا هو الجسيم المنتظر.
الجوليو-كوري لم يدركوا ما اكتشفوه حتى قرأوا نتائج تشادويك. لاحقاً، اعترفت إيرين كوري: "لو قرأنا أبحاث رذرفورد القديمة لعرفنا أن هذا هو النيوترون" .
---
الجائزة والفراق
في 1935، حصل تشادويك على جائزة نوبل في الفيزياء . عمره كان 44 سنة.
في نفس السنة، حدث خلاف مع رذرفورد. تشادويك أراد بناء معجل جسيمات (سيكلوترون) لتطوير أبحاثه، لكن رذرفورد كان متحفظاً على الأجهزة الضخمة والمكلفة . قرر تشادويك الرحيل إلى جامعة ليفربول، حيث استخدم جزءاً من جائزة نوبل لبناء أول سيكلوترون في إنجلترا .
بعد سنتين، في 1937، مات رذرفورد فجأة. تشادويك حزن كثيراً. رغم خلافهما، ظل يعتبره أستاذه وأباه الروحي.
---
الطريق إلى القنبلة
في ديسمبر 1938، اكتشف الألمانيان أوتو هان وفرتز شتراسمان الانشطار النووي . الخبر وصل لإنجلترا وتشادويك أدرك فوراً: إذا كان النيوترون يستطيع شطر نواة اليورانيوم، فهذا يعني طاقة هائلة، وربما قنبلة.
في 1940، انضم إلى لجنة MAUD السرية لتقييم إمكانية صنع قنبلة ذرية . عندما قرأ حسابات فريش وبييرلز التي أظهرت أن كتلة حرجة من اليورانيوم-235 (حوالي 8 كغ) يمكن أن تحدث انفجاراً هائلاً، تأكد من صحتها بنفسه .
كتب تقرير MAUD النهائي في 1941، الذي أقنع الحكومة البريطانية والأمريكية بأن القنبلة ممكنة . قال بعدها: "أدركت أن القنبلة النووية ليست ممكنة فقط، بل حتمية. كان علي أن أتناول حبوب النوم. كان هذا هو العلاج الوحيد" .
في 1943، انتقل مع عائلته إلى لوس ألاموس لرئاسة البعثة البريطانية في مشروع مانهاتن . كان الشخص الوحيد غير الأمريكي الذي اطلع على كل أسرار المشروع . شكل علاقة وثيقة مع الجنرال جروفز، قائد المشروع .
في 16 يوليو 1945، شهد أول انفجار نووي في التاريخ في صحراء ألاموغوردو . بعد شهر، ألقيت القنبلتان على هيروشيما وناكازاكي. أكثر من 100 ألف قتيل في لحظات.
تشادويك قال لاحقاً: "ليس لدي شك في أن القنبلة كان يجب أن تستخدم. ولا أشعر بأي ذنب لمشاركتي في إنتاجها. لماذا يجب؟ أشياء أسوأ بكثير حدثت. ربما ليس كثيراً" .
لكن الحقيقة أنه لم يستطع النوم دون حبوب من ذلك الحين. استمر يتناولها لأكثر من 28 سنة .
---
ما بعد الكارثة
بعد الحرب، عاد تشادويك إلى إنجلترا. حصل على لقب سير في 1945 . عُين مستشاراً علمياً للجنة الطاقة الذرية للأمم المتحدة .
في 1948، أصبح مدير كلية غونفيل وكيوس في كامبريدج . خلال فترة إدارته، ارتفعت السمعة الأكاديمية للكلية بشكل كبير، وفيها قام فرنسيس كريك وجيمس واطسون باكتشاف الحلزون المزدوج للـDNA .
تقاعد في 1958 . في 24 يوليو 1974، مات في نومه عن 82 عاماً . دفن في كامبريدج.
---
بعد القصة
الرجل الذي بحث 12 سنة عن جسيم لا يُرى، هو الذي فتح الباب أمام الطاقة النووية. نيته كانت فهم الطبيعة فقط. لكن البشر وجدوا فيها وسيلة للدمار.
العنصر رقم 112 في الجدول الدوري لم يسم باسمه، لكن إرثه أثقل من أي اسم. كل مفاعل نووي في العالم، وكل قنبلة ذرية، وكل علاج إشعاعي للسرطان، كلها تدين بشيء لجيمس تشادويك.
الرجل الخجول الذي جلس على المقعد الخطأ في الجامعة، والذي صنع معمله في إسطبل خيول، والذي لم يهدأ له بال حتى وجد شبحه.
خلف المعادلة.. لكل معادلة قصة، ولكل عالم حكاية.






