العدوان السعودي الأمريكي: جرائم الإبادة والتجويع والحصار، ومعادلة الرد اليمني
في السادس والعشرين من مارس 2015، انطلقت من البيت الأبيض شرارة عدوانٍ سعودي-أمريكي على اليمن، كان هذا العدوان عبارة عن مشروع مفتوح للإبادة والتدمير الممنهج والتجويع، امتد على مدى اثني عشر عامًا، مخلفًا واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. لقد تجاوزت الجريمة حدود القصف الجوي إلى حربٍ بيولوجية واقتصادية شرسة، فرضها حصارٌ خانقٌ أغلق المنافذ والمطارات، وحوّل حياة ملايين اليمنيين إلى معاناة يومية تفتك بالأرواح وتقوّض مقومات العيش، ورغم فداحة الفاتورة الدموية والاقتصادية التي وثقتها التقارير الحقوقية والرسمية، ظلت المنظومة الدولية عاجزةً أو متواطئة، تتفرج على جريمة العصر دون أن تحرك ساكنًا، غير أن اليمن، الذي لم ينكسر تحت وطأة الحصار، انتقل من موقع الضحية إلى موقع الفعل، محوّلًا معاناته إلى إرادة مواجهةٍ صلبة، فرضت معادلة "الحصار بالحصار"، وبلغت ذروتها بإعلان القوات المسلحة اليمنية حظرًا بحريًا على الملاحة السعودية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
إمعان أمريكي سعودي في تدمير اليمن
لقد أمعن العدوان السعودي-الأمريكي في ارتكاب جريمة مفتوحة بحق اليمن تربو عن الحصر والإحصاء، منذ لحظة إعلانه المشؤوم من البيت الأبيض بواشنطن في السادس والعشرين من مارس 2015م. وفي هذا الإطار، كشفت الحصيلة التوثيقية الشاملة لـ 12 عاماً من العدوان والحصار -والتي نشرها مركز "عين الإنسانية للحقوق والتنمية" في تقرير له- عن فاتورة دموية باهظة طالت الأعيان المدنية والأرواح؛ إذ حصدت آلة القتل والدمار حياة (61,010) مدنيين بين شهيد وجريح، من بينهم (24,728) شهيداً تضم قوافلهم (4,365) طفلاً و(2,653) امرأة، فيما بلغ عدد المصابين (36,282) مدنياً، بينهم (5,578) طفلاً و(3,351) امرأة.
ولم تقف أدوات الإبادة عند حدود القصف المباشر، بل امتدت إلى حرب بيولوجية واقتصادية فرضها الحصار الخانق وإغلاق المنافذ والمطارات، حيث تسبب حظر السفر -بحسب المؤتمر الصحفي- في وفاة نحو (120,000) مريض استعصى عليهم الخروج لتلقي العلاج في الخارج، بينما يواجه أكثر من (1,200,000) مريض خطر الموت الداهم جراء الحاجة الماسة للرعاية الطبّية المعدومة. كما وثقت البيانات الميدانية وفاة أكثر من (46,000) امرأة نتيجة سوء التغذية ومضاعفات الحصار، في ظل معاناة ناهزت (1,800,000) امرأة من سوء التغذية الحاد، ما يجسد استراتيجية الخنق البطشي التي استهدفت النسيج المجتمعي والبنية الديموغرافية للبلاد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهرت الأرقام الرسمية حجماً هائلاً من التجريف الممنهج لموارد الشعب اليمني؛ إذ تجاوزت خسائر القطاع الزراعي (147) مليار دولار، وبلغت خسائر قطاع النفط والغاز أكثر من (123) مليار دولار، فضلاً عن نهب عائدات النفط والغاز المشروعة والتي تجاوزت (10) مليارات دولار، إلى جانب تكبيد قطاع التجارة الخارجية خسائر بلغت (64.7) مليار دولار، في إطار مسعى مكشوف لهندسة حرب التجويع الشاملة وإفلاس مؤسسات الدولة.
وعلى صعيد البنية التحتية والخدمات الحيوية، تعمدت الغارات المباشرة شلَّ الحياة العامة كلياً، حيث وثّق المركز تدمير وتضرر أكثر من (623,599) منزلاً، واستهداف (476) مستشفى ومرفقاً صحياً، و(1,510) مدارس ومرافق تعليمية، و(204) منشآت جامعية. كما طال التدمير (16) مطاراً، و(16) ميناءً بحرياً، وأكثر من (492) محطة ومولداً للكهرباء، و(720) شبكة ومحطة اتصالات، و(3,609) خزانات ومحطات مياه، و(9,033) طريقاً وجسراً، و(2,548) منشأة حكومية، يضاف إليها استهداف (2,031) مسجداً، و(435) منشأة سياحية، و(158) منشأة رياضية وشبابية، و(304) مواقع أثرية، و(75) منشأة إعلامية، في تدمير شامل يهدف إلى تجريف مقومات العيش ومحو الذاكرة الحضارية لليمن.
اتساع الفاتورة وانكشاف التداعيات
وامتداداً لتكثيف الشهادات والأدلة الدامغة، كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار اليمنية، والمستعرضة في معرض "الاقتصاد اليمني.. 12 عاماً تحت الحصار (2015-2026م)"، عن الفاتورة المرعبة لسياسة "الموت البطيء" التي مارسها العدو السعودي بحق الشعب اليمني. وأثبتت أرقام التقرير أن الاقتصاد الوطني تكبّد جراء العدوان والحصار خسائر أولية فادحة تجاوزت تريليوناً و130 مليار دولار، تتوزع بين 648 مليار دولار كخسائر تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي، و482 مليار دولار كخسائر مباشرة طالت القطاعات الإنتاجية والخدمية. وتتصاعد هذه الفاتورة لترتفع إلى أضعاف هذا الرقم التريليوني عند احتساب الخسائر غير المباشرة وتكلفة التعويض عن الحرب الشاملة، والتي بلغت كلفة تعويضها اليومي نحو 150 مليون دولار.