بداية الأسبوع، أوصلت ابني إلى جامعته، على بُعد ست ساعات من البيت، وتركته هناك ليبدأ أربع سنوات من الدراسة - إن شاء الله - بعيدًا عنا.
وأخوه الأكبر أصلًا يعمل على بُعد ثلاثة آلاف ميل.
يعني، باختصار، بعد سنوات طويلة من تربية الأولاد، والسهر عليهم، وتوصيلهم، وانتظار اليوم الذي يعتمدون فيه على أنفسهم… نجحت الخطة... للأسف!
البيت هادئ، الغرف مرتبة، جواربي في مكانها آمنة، ولا أحد يفتح الثلاجة كل عشر دقائق دون سبب واضح… والمفروض أنني سعيد. لكن الحقيقة أن في القلب هواءً غريبًا ووهنًا لا أعرف له وصفًا أدق.
في طريق الرجوع، بدأت أفكر في موضوع الفقد والتعلّق في أصله!
نحن نملأ قلوبنا بأشخاص وأماكن وأشياء من الدنيا، ثم نستغرب جدًا عندما تترك فراغًا حين تبتعد. مع أن هذه طبيعتها من البداية… الأولاد يكبرون، ويسافرون، والأهل والأصدقاء يفارقون، ونحن أنفسنا سنفارق الجميع في النهاية.
ومن هنا فهمت بشكل مختلف لماذا قال الرسول، عليه الصلاة والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". إن المسألة ليست فقط ترتيبًا للمحبة، أو التعبير المجازي لتحديد قيمة ومقام المحب، كما كنت أفهمها. كلا! إن المسألة هي أنه ربما كان كل ما تتعلق به في الدنيا يمكن أن يترك مكانه فارغًا في لحظة، فيتركك واهنا مستوحشا… إلا الله ورسوله. فمحبتهما لا تحتاج أن يكونا معك في بيت، ولا في مدينة، ولا حتى في زمانك. بل إن الأمر المؤكد هو أنك كلما ازددت معرفة بالله، ازددت أُنسًا به وهو لا تدركه الأبصار ولا الحواس.
حسنٌ، إذا كان أكبر ما في القلب هو الله ورسوله، فمهما أخذت الدنيا معها من أشخاص وأماكن، لا يصبح القلب بيتًا خاليًا، بل يظل فيه ما يملؤه. فيصبح نعم الوعاء لنعم الإمتلاء.
على كل حال… أوصلت الولد، وقد ينظر إليّ بعد أربع سنوات حاملًا شهادته، فأفرح أن تعليمه قد اكتمل. ثم أتذكر أن الحياة لا تمنح الوالدين شهادات تخرّج؛ بل تظل تقلبهما على نار هادئة، وتضيف إلى المنهج درسًا كلما ظنوا أنهم فهموا ما قبله. فالإنسان، فيما يبدو، طالب دائم. المفارقة هنا أن شهادة تخرجه الحقيقية، الوحيدة، هي شهادة وفاته والتحاقه بالملأ الأعلى.
أوصلت الولد ليتعلم... ويبدو أنني أنا الذي تعلمت درسا جديدًا.
اللهم املأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسولك.
• عبد الرحمن الخطيب