أنصح بالقراءة:
[العجلة]
ذكر الدكتور الصلابي عن معاوية ـ رضي الله عنه ـ قال: ومن الصفات التي تميز بها معاوية ـ رضي الله عنه ـ صفة الدهاء والحيلة، ومما يروى من دهائه وحسن إدارته وتدبيره, أن المسلمين غزوا في أيامه فأسر جماعة منهم, فوقفوا بين يدي ملك الروم بقسطنطينية, فتكلم بعض أسارى المسلمين, فدنا منه بعض البطارقة, ممن كان واقفا بين يدي الملك فلطم حر وجهه, وكان رجلا من قريش فصاح: واسلاماه أين أنت عنا يا معاوية؟ إذ أهملتنا وأضعت ثغورنا وحكمت العدو في دمائنا وأعراضنا؟ فنمى ذلك الخبر إلى معاوية, فآلمه وامتنع من لذيذ الطعام والشراب, فخلا بنفسه, وامتنع عن الناس ولم يُظهر ذلك لأحد من المخلوقين, ثم أعمل الحيلة في إقامة الفداء بين المسلمين والروم, إلى أن فدى ذلك الرجل, ومن أسر معه من المسلمين, فلما صار الرجل إلى دار الإسلام, دعاه معاوية فبره وأحسن إليه، ثم قال له: لم نهملك, ولم نضيعك, ولا أبحنا دمك وعرضك، ومعاوية أثناء ذلك يدبر الرأي ويعمل الحيلة ثم بعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور, وكان عارفا كثير الغزوات في البحر صمك من الرجال مرطان بالرومية, فأحضره وخلا به وأخبره بما قد عزم عليه وسأله إعمال الحيلة فيه, والتأني له, فتوافقا على أن يدفع للرجل مالا عظيما, ليبتاع به أنواعا من الطرف والملح والجهاز من الطيب والجوهر وغير ذلك, وأنشأ له مركبا لا يلحق في جريه سرعة, ولا يدرك في سيره, إنشاء عجيبا, فسار الرجل حتى أتى مدينة قبرص فاتصل برئيسها وأخبره أن معه حاجة للملك, وأنه يريد التجارة إلى القسطنطينية قاصدا إلى الملك وخواصه بذلك فروسل الملك بشأنه, فأذن له, فدخل خليج القسطنطينية, فلما وصلها أهدى للملك وجميع بطارقته, وبايعهم وشاراهم, وقصدهم, إلا ذلك البطريق الذي لطم القرشي, وتأنى الصوري من الأمور على حسب ما رسمها له معاوية, وأقبل الرجل من القسطنطينية إلى الشام, وقد أمره أكثر البطارقة أن يبتاع حوائج ذكروها, وأنواعا من الأمتعة وصفوها, فلما صار إلى الشام سار إلى معاوية سرا, وذكر له من الأمر ما جرى، فابتاع له ما طلب منه وما علم أن رغبتهم فيه وتقدم إليه معاوية فقال: إن ذلك البطريق إذا عدت في كرتك هذه سيعذلك عن تخلفك عن بره, واستعانتك به, فاعتذر إليه ولاطفه بالقول والهدايا, واجعله القيم بأمرك, والتفقد لأحوالك تزداد عندهم, فإذا أتقنت جميع ما أمرتك به, وعلمت ما غرض البطريق وإيش الذي يأمرك بابتياعه فعد به إلينا لتكون الحيلة على حسبه, فلما رجع الصوري إلى القسطنطينية ومعه جميع ما طلب منه والزيادة مما لم يطلب زادت منزلته, وارتفعت أحواله عند الملك والبطارقة وسائر الحاشية, فلما كان في بعض الأيام وهو يريد الدخول إلى الملك, قبض عليه ذلك البطريق في دار الملك, وقال له: ما ذنبي إليك؟ وبم استحق غيري أن تقصده, وتقضي حوائجه وتعرض عني, قال الصوري: أكثر من ذكرت ابتدأني وأنا رجل غريب, وأرحل إلى هذا البلد كالمتنكر من أسارى المسلمين, وجواسيسهم لئلا ينمو خبري ويوشوا بأمري إلى المسلمين فيكون في ذلك بواري، والآن فإذا قد علمت ميلك إلي فلست أحب أن يعتني بأمري سواك, ولا يقوم بحالي عند الملك وغيره غيرك, فمرني بحوائجك وجميع ما يعرض من أمورك بأرض الإسلام, وأهدى إلى ذلك البطريق هدية حسنة من الزجاج المخروط والطيب والجوهر والطرف والثياب ولم يزل هذا فعله, يتردد من الروم إلى معاوية ومن معاوية إلى الروم، ويسأله الملك والبطريق وغيره من البطارقة الحوائج الجليلة والحيلة لا تتوجه إلى معاوية, حتى مضى على ذلك سنين، فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري, وقد أراد الخروج إلى دار الإسلام: قد اشتهيت أن تعمدني بقاء حاجة, وتمن بها علي, وهي أن تبتاع لي بساط سوسنجرد بمخاده ووسائده, ويكون فيه من أنواع الألوان الحمرة والزرقة وغيرها, ويكون من صفة كذا وكذا, ولو بما بلغ ثمنه كل مبلغ, فأنعم له بذلك, وكان من شأن الصوري أن يكون مركبه إذا ورد القسطنطينية بالقرب من موضع ذلك البطريق، وكان للبطريق ضيعة سرية, وفيها قصر مشيد, ومنتزه حسن على أميال من القسطنطينية راكبه على الخليج, وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المنتزه وكانت الضيعة فيما بين قسم الخليج من يلي بحر الروم والقسطنطينية، فانصرف الصوري إلى معاوية سرا, فأخبره بالحال فأحضر معاوية بساطا بوسائد ومخاد ومجلسا حسنا, فانصرف به مع جميع ما طلب منه من أرض الإسلام, وقد تقدم إليه معاوية بالحيلة وكيفية إيقاعها، وكان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة والعشرة, وفي الروم طمع وشره فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية, وقد طابت له الريح, وقرب من ضيعة البطريق, أخذ الصوري أخبار البطريق من أصحاب القوارب والمراكب, فأخبر أن البطريق في ضيعته, وذلك أن الخليج طوله نحو من ثلاثمائة وخمسين ميلا, والضياع والعمائر على حافتيه, والمراكب تختلف, والقوارب بأنواع المتاع والأقوات, إلى القسطنطينية من هذه العمائر لا تحصى كثرة، فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته