قارون
الكثير منا يتعامل مع قصته كحكاية ثراء ثم خسف، أو يلفت نظره الذهب والمفاتيح والثروة وكم تساوي بميزان اليوم، إنما لو نظرنا له بعين الاعتبار وتعاملنا معه كنموذج يتكرر، سنرى فيه كل رجل فتحت له الدنيا فاختل تصوره ثم اختل سلوكه وأثره على قومه.
اسمع بداية النموذج؛ إن قارون كان من قوم موسى، تأمل هذا القيد "من قوم موسى"، أي نشأ في بيئة تعرف الوحي، سمع التذكير، عرف الحلال والحرام، لم يكن جاهلاً بالشرع، ولم يكن بعيداً عن خطاب النبوة.
إنسان اليوم قد ينشأ في بيت ملتزم أو أسرة محافظة أو مجتمع يعرف حدود الله، قد تمضي الأمور في بدايتها على فطرة سليمة، ثم تتوسع الأعمال ويزداد الرصيد، تفتح الأبواب، تتعدد العلاقات، ثم تتكاثر عليه النعم حتى يثقل وزنها:
"وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة" .
القرآن لم يذكر عدد العقارات ولا حجم الأرباح ولا تفاصيل الأرصدة، ذكر ثقل المفاتيح؛ والمفاتيح قد تعني القدرة، قد تعني أن أبواباً كثيرة تفتح بكلمة منه، قد تعني أن القرار الذي يصدر عنه يؤثر في أرزاق الناس وحياتهم.
ثم يبرز القرآن نموذجاً مغايراً في القصة إذ قال له قومه:
"لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين"
قومه فيهم من بقي على ميزان الحق، وفيهم من واجهه وهو يعلم أنه يملك السطوة والجاه والقدرة على الأذى.
قالوا له لا تفرح، يعلنون بذلك الفرح الذي ينسي المنعم ويولد الاستكبار، ثم أعطوه الدواء في آية واحدة تضع لنا منهجاً في التعامل مع ما أتانا الله من مال وذكاء وعلم أو منصب وجاه وشهرة:
"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة"
، وجه ما آتاك الله إلى نصرة الحق وإقامة العدل ونشر الخير؛
"ولا تنس نصيبك من الدنيا"،
خذ منها بقدرها ولكن لا تجعلها غايتك؛
"وأحسن كما أحسن الله إليك"
تذكر المنعم في كل حركة؛
"ولا تبغ الفساد في الأرض"
احذر من الفساد لأنه العاقبة الطبيعية لكل ما آتاك الله إن غابت التقوى.
لكن قارون رد بكلمة كشفت الفخر الذي استقر في داخله، قال:
"إنما أوتيته على علم عندي"
نسب الفضل إلى نفسه. كلمة "عندي"هذه إن استقرت في القلب صنعت دماراً سلوكياً، تجعل صاحبها مستكبراً، يستحقر غيره، ولا يجد مانعاً في تبرير أي وسيلة تحقق رغباته، فهو يرى نفسه صاحب الفضل. ولهذا جاء الرد القرآني يعيد الميزان:
"أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً".
ثم تأتي المرحلة التالية في نموذج قارون:
"فخرج على قومه في زينته"
الزينة اليوم لا يشترط أن تكون موكباً في الطرقات، قد تكون استعراض نمط حياة مترف عبر الشاشات. وهنا ينقسم الناس بوضوح إلى قسمين؛ قال الذين يريدون الحياة الدنيا:
"يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون"
كم منا اليوم من يردد نفس المقولة حين يرى حياة المترفين على منصات التواصل؟ . وقال الذين أوتوا العلم:
"ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون"
"الذين أوتوا العلم" هذا وصف قرآني دقيق لمن ثبتوا حينها، وصفهم الله بأنهم العلماء لأنهم حققوا مبتغى العلم، وعرفوا مقام عز وجل، ولم يرضخوا لسطوة الماديات . بينما الصنف الأول لم يصفهم بالجهلاء لأنه قد يكون من بينهم من يدعي العلم ولم يقربه حفظه ولا فهمه من طريق الهداية.
"فخسفنا به وبداره الأرض"
سقط النموذج الذي افتتن به الناس، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين. وعند السقوط يتغير الإدراك، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون:
"ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون".
هل ترى النماذج بوضوح؟ قارون
، والذين يريدون الحياة الدنيا
، والذين أوتوا العلم.
أين موقعك؟
هل في قلبك شيء من "أوتيته على علم عندي"؟
هل يتغير ميزانك وتضطرب بوصلتك عند رؤية زينة قارون اليوم؟
هل تقوم بدور الذين أوتوا العلم في محيطك؟
والأهم
هل تبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة؟
السلام













