كبرتُ يا أبي… وكبرتُ وأنا أحمل في قلبي شوقًا إليك لا يشبه أي شوق.
كبرتُ وأنا أراك مرة واحدة في العام، وفي كل مرة كنتَ تسافر فيها كان يراودني سؤال مؤلم: هل سأراك مرة أخرى؟ هل ستمنحني الأيام لقاءً جديدًا بك؟
لم أستطع أن أكون صديقة أبي كما تمنيت، ولم أعرف معنى أن أختبئ في حضن أبي وأشعر بالأمان طوال خمسةٍ وعشرين عامًا. بقي في داخلي فراغ كبير، وبقيت طفلة صغيرة تنتظر قربك، وحنانك، ووجودك.
واليوم، حين قررتَ أن تقترب مني، وأن تمنحني حنان الأب واحتواءه، أجدني أمامك كأنني تلك الطفلة التي انتظرتك طويلًا. أشعر بالدفء حين أراك، وأشعر أن جزءًا مني ما زال يبحث عن تلك اللحظات التي لم أعشها معك.
لكن أكثر ما يؤلمني هو أنني حين أنظر إليك أرى الشعر الأبيض قد ملأ رأسك، وأرى التجاعيد تروي حكاية السنين التي مضت. يؤلمني أن الزمن أخذ منّا أعوامًا كثيرة كان من الممكن أن نعيشها معًا.
لكن يا أبي، أنا أعذرك… أعلم أن القدر لم يكن دائمًا بيدك، وأن الحياة أخذتك إلى طرق كان عليك أن تسلكها، وأنك ربما كنت منشغلًا بهموم ومسؤوليات أكبر.
كنت أتمنى لو احتويتني وأنا طفلة، لو كنت قريبًا مني في تلك السنوات التي كنت أحتاجك فيها أكثر من أي وقت آخر. فقد تترك المسافات والغيابات آثارًا عميقة في القلب، آثارًا لا نعرف هل تُشفى تمامًا أم تبقى جزءًا من ذاكرتنا.
ومع ذلك… سيبقى لك مكان في قلبي يا أبي، وستبقى تلك الطفلة بداخلي تتمنى أن تعيش معك ما فاتها، وأن تعوّض بعضًا من تلك السنوات التي مضت، فبعض الأحضان تأتي متأخرة، لكنها تظل قادرة على ملامسة قلوبنا.
- مينرفا
July 10, 2026 261 2