أقدار الله سبحانه وتعالى عجيبة للغاية، خاصة لمّا يتعلّق الأمر ب"صناعة" الناس و"تقديمهم". إذ لولا أن استشهد عبيدة بن الحارث وحمزة رضي الله عنهما لما برز قادة السرايا الآخرون (لأنهما كانا الخيار الأول في قيادة السرايا، وكلاهما كهل، وبالتالي فإن الخبرة العسكرية لن تمرر طويلا إن واصلا). ولولا الاستشهاد المؤلم للقادة الثلاثة زيد وجعفر وبن رواحة لما برز فضل خالد بن الوليد رضي الله عنهم أجمعين، وغالبا ما كان سيتردد المسلمون في هل يكون قائدا رغم إثخانه في المسلمين أو لا.. ولولا استشهاد حملة القرآن في اليمامة لما جُمع القرآن في دفة مصحف واحد (على الأقل لن يكون الأمر بالشكل المبكر اليسير ذاك).
وبالتالي فإن مقابل الاصطفاء أمانة كُبرى يحملها من لم يزل منتظرا حتى يُستحق وصف عدم التبديل. ويتطلب حمل هذه الأمانة الثقيلة من هؤلاء القلة الباقين إعمال عقلهم في شيئين رئيسين :
- استدامة عملية تحميل الأمانة وصناعة القادرين عليها وحفظهم.
- الحفاظ على منسوب الإيمان العام في السياق الحامل، حتى يكون هناك من يقوم بالأحكام تطبيقا ومن يُولّد بيئة يترعرع فيها الحملة القادمون.
وقد ركّز الشيخ محمد بن محمد الأسطل حفظه الله على الجهة الأولى لأنها المفتاح الرئيسي للثانية، فلا تقوم الثانية إلا بها ولا تحتاج هي للثانية. وقد سمّاها سنة الاستبقاء، والمتأمل يعلم أنها من السنن التي تراها في السيرة النبوية، إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل الناس إلى الحبشة ولم يطلبهم إلى وقت متأخر من المرحلة المدنية وذلك ليستبقي جذوة الإسلام كما هي، كما أنه أمر كثيرا ممن أسلم في مكة من القبائل المتناثرة بالعودة إلى قبيلته ونشر الدين إن استطاع، حتى لا ينقطع نور الدعوة إن أُخذ الحملة الرئيسيون بمكروه. وتنزيل هذا المعنى مما يحتاجه قطاع غزة الآن بشدة، وذكر الشيخ لذلك معالم بيانها :
- [العناية بتنضيج العقول بسياسات منها حرق المراحل] إذ أن هذه المرحلة تفرض على المربين والمعلمين في غزة خاصة وفي غيرها بدرجة أخف أن يتخفف الناس من تكاليف التعليم الدقيق، دون المساومة على مركزيات كالارتباط بالقرآن والتزكية والوعي المجمل بالواقع. فلا ضير ألا يكون المرء حافظا للصحيحين ويتصدى لتعليم الناس دينهم، ولا مشكلة ألا يكون مدرس علوم الحاسب دون شهادة دكتوراه في التخصص إن كانت له كفاءة وتجربة. وموضوع التجربة هذا هو بالضبط الذي سيعوض التأسيس الطويل العميق، إذ أن الحديد يُحمى في أتون النار وتحت وقع الضربات ويصبح فولاذا بتارا.
- ونقطة التجربة شرطها هو : [تقديم أصحاب الكفاءة من الصفوف الشبابية للثغور المتقدمة وصناعتهم في الميدان]، فلا يقال بعد الآن لما بان تأهله عند المربين والأساتذة : لا زال صغيرا، ولعله لا يستطيع ولا يقدر ووو، بل يُقدمّون بعد التوكل والتهيئة بالدعاء إلى مواطن الرباط المتقدمة، فيعنون قادة على المشاريع التقنية المعقدة، ومديرين لشبكات التعليم، ويتصدر بعضهم لسد مواطن الشهداء القادة في الرتب العسكرية، وآخرون يلتحقون معينين وأساتذة مع بقيّة العلماء الكبار في المكان الذي يكونون فيه.
- ولكنهم ينبغي أن يعلموا على هدى، وأن ينشغلوا بالأهم قبل المهم. ولعل أكثر شيء ينقصهم هو إدراك الصورة الكبرى وحيازة النفس الاستراتيجي عند مقاربة الأمور لا الكفاءة العلمية أو الإدارية أو القتالية، وبالتالي فإن أهم يفعله العاملون الآن والذين سبق لهم باع في العمل هو [إعداد خارطة ثغور تضمن تغطية عامة الحوائج ما أمكن ذلك].
والثغور خمسة أنواع بشكل عام : ثغر إيماني (ما يتعلق بالتزكية والتربية)، ثغر تدبيري (سياسة واقتصاد وإدارة)، ثغر علمي (كل ما يتعلق بالمعرفة)، ثغر إعلامي وثغر حاجي (وهي عامة حوائج الناس المعروفة من الأكل والشرب والتطبيب)، وكلها محتاج إليها الآن وحالا.
- ونظرا لطبيعة هذه الحاجة وإدراك العدو لها، فإنه يسعى ما استطاع في اجتثاث جميع من يمكن أن يُكوِّن القائمين على هذه الثغور، وإن استطاع : تدمير البراعم الجديدة نفسها إما قتلا أو سجنا أو تهجيرا أو تصفية بأي وسيلة ممكنة، وعليه فإن [إنتاج أوضاع أمنية تقلل عدد المستهدفين وتوقف النزيف البشري الهادر] في هذه الكوادر، وهذا ينفر له القادرون في السياق الواقعي بتهيئة المخابئ وأماكن الكمون والاختفاء، وبتعليم الناس أساسيات الأمن الشخصي، ويشتد فيه العتب والواجب على متخصصي الأمن السيبيراني والخصوصية في جميع الأقطار الإسلامية لإعانة إخوانهم في هذه المناطق المَخوفة المركزية، سواء بتدريبهم أو إسنادهم بحلول جاهزة يمكنهم أن يعملوا بها مباشرة.
هذا وإن هذه المسؤولية كبيرة جدا، ولا يمكن أن يلبيها المرء دون معونة من الله عظيمة وخير منه كثير وتوفيق منه واسع.
#قواعد
Forwarded fromقناة رباط الخيل
July 14, 2026 12K 124