من المعاني التي صرت عليها بعد أن لم تكن قبل معركة الطوفان أنَّ الحظَّ الذي ينفقه الرجل على بيته لا بد أن يتضاءل لينزل إلى الحدِّ الذي لا يُخلُّ به بالواجبات والمهمات فحسب؛ وذلك لصالح حمل مواقع المسؤولية الاجتماعية التي اتسعت بما لا يكاد الإنسان يتخيله.
فالرجل الذي يخشى ربه ويفقه دينه لا بد أن تمتد مسؤوليته الاجتماعية لبيوت الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم أو أكثر أولادهم بما جعل البيت كأنه يقف على رجلٍ واحدةٍ أو أقل.
إنَّ أكثر ما يُقلق الإنسان في هذه الدنيا أهله.
انظر إلى وصايا الشهداء المتتابعة التي تخرج، إنَّ كلَّ شهيد يبدأ وصيته بركنها الأول أنه يطلب من أمه المسامحة، ويذكر أباه وأفراد أهله، ويبقى يتقلب في الأفكار التي يوصي بها ولكن أهله يملأون وصيته، وربما كرر ذلك في وسط الوصية ونهايتها.
إنَّ الرجل وهو يكتب وصيته ويستشعر الرحيل إلى الله يُسجِّل وصيته لتبقى كلماتها شاهدةً على مشاعر المقارنة بين الرغبة في لقاء الله العزيز والبقاء عند أهله ليقرر أنَّ لقاءَ الله تعالى أعز، لكن الدنيا بأسرها تكاد تُختَزل عنده في أهله وإخوانه، يذهب إلى الله وقلبه عندهم.
حين رحل شهداء أُحُد إلى الله ووجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ورأوا حسن منقلبهم لم يخطر ببالهم إلا إخوانهم الذين خلَّفوهم بعدهم، فرغبوا أن يعلموا بما هم فيه لئلا يزهدوا في الجهاد، فقال الله: "أنا أبلغهم عنكم" وأنزل سبحانه: {ولا تحسن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم..}، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بإسنادٍ حسن.
فالأهل والإخوان والأصحاب هم الرابط العجيب!
إنني شخصيًّا ما تألمت في المعركة على شيءٍ مثل فقد الرجال، وما تألمت في هذا على شيء مثل العجز عن العناية بأهالي الشهداء الذين عرفتهم، وكل ما أتعنى فيه من الزيارة والسؤال يعد صفرًا أمام كثرة الشهداء.
لقد عرفت المئات من الذين رحلوا، كل واحد له قصةٌ وأحوالٌ ومواقف، وكثيرًا ما أكون أمشي وأرى الرجل فيخيل إليَّ أنه فلان ثم أستذكر أنه الآن عند الله، {وما عند الله خيرٌ للأبرار}.
تحملني كثرة الأعباء التي لا أستطيع مجاراتها كلها على تفكيرٍ طفوليٍّ أحيانًا؛ كأن أودَّ أن يكون يومي مائة ساعة أو مائتين، أو أن تتشقق مني نسختان: نسخة للكتابة والبحث والأعمال العلمية ونسخة للسير في أمور الناس ومتابعة أحوالهم، تكون النسخة الأولى في غاية التركيز بعيدًا عن الصخب، وتكون الثانية في قلب المعمعة، ثم إذا استيقظت من أحلام اليقظة وجدت نفسي في موازنةٍ شديدةٍ بين الخُلطة والعزلة لا يعين عليها إلا الله.
ولهذا كله فإننا اليوم في وضعٍ استثنائي، والوضع الاستثنائي له حكمٌ استثنائي.
ومن ذلك في باب المسؤولية الاجتماعية أنه لا ينبغي للرجل أن يجلس مع أولاده كل يوم، ويعيش حياته الطبيعية، ويزور ويلهو ثم هو مُكتَفٍ بموقع العطف على بيوت الآخرين الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم عن بُعد، وربما كان غاية عمله أن يقوم بإرسالٍ مبلغٍ مالي يشعر أنه بهذا قد أتم الأمانة وقام بتكاليف المسؤولية.
إن هذا جزءٌ جليلٌ من العمل لا سيما في هذا الوقت ولكنه ليس كل العمل، ومن لم يقدر إلا على هذا فجهده مشكور وسعيه مبرور، جزاه الله خيرًا وأحسن إليه.
إنَّ من المسؤولية اليوم أن يقصد الرجل إلى أبناء إخوانه الشهداء ويجلس معهم ويُشرف جزئيًّا على تربيتهم، ويتابعهم في ذلك، ويتفقد الأهل بما تيسر إذا كانت له مُكنةٌ من نفسه أو من أهل الخير، ويعامل هؤلاء كما يعامل أولاده أو أشد.
إنَّ من عبودية الوقت أن يكون الرجل أبًا لعددٍ من البيوت فيما يقدر عليه، وإن حلولنا الاجتماعية لا تنحصر في الزواج والتعدد فيه؛ بل تمتد للمشاركة الاجتماعية في تفاصيل الثغور الجزئية، والصادق يهديه ربه وقد قال سبحانه: {ومن يؤمن بالله يَهدِ قلبه}.
إنَّ المجتمعَ قد يكون فقيرًا في المال ولكن لا ينبغي أن يكون فقيرًا في المشاعر والحنان والحب والرعاية والتوجيه.
ثم إنَّ الحرب قد غيَّبت الكثيرين ولو كانوا أحياء؛ كالقادة بمختلف مراتبهم ومن هم كذلك في مظنة الاستهداف؛ فهؤلاء لا يقدرون على الجلوس عند أهلهم، ولا متابعة زوجاتهم وأولادهم، وأهلهم يملأون قلوبهم ومشاعرهم، فهنا لا بد للمجتمع أن يتقدم، وأن يتم الدخول من الأبواب، والله يوفق ويهدي ويسدد.
يعجبني المحفظ الذي ينشط للعناية بأبناء هؤلاء، يتعب عليهم بصمت، وربما تكلَّف مالًا في تحفيزهم وهو فقير غاية الفقر.
يعجبني الأخ الذي يتفقد أهل صديقه الذي رحل إلى الله، لم يعد ينتظر شكره في هذه الدنيا، ولكنه يقوم بواجب الوفاء، ويتعنى في تدبر ما يُسكِّن به حاجة بيت صاحبه، وربما تعنى في المواصلات وفي أدنى الأشياء، يريد أن يقضي حاجتهم وحاجته هو في نفسه لا يستطيع لها قضاء.
يتبع
July 16, 2026 16.2K 177