كثير من الشهداء قضوا نَحبَهم قبل أن يبينوا ما لهم وما عليهم من الحقوق وما لديهم من الودائع فأتعبوا أهلهم وأحبابهم بعدهم، وضيَّقوا على أنفسهم في البرزخ إذ "نَفْسُ المؤمن مُعلَّقةٌ بدينه حتى يُقضَى عنه" كما عند الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي مسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح عن سَمُرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر فقال: ههنا من بني فلان أحد؟ ثلاثًا، فقال رجل: أنا، قال: "إنَّ صاحبكم محبوسٌ عن الجنة بدَينه".
ولهذا من الفقه أن يعتني الرجل بنفسه قبل أن يقضي نحبه؛ فهو أوفر عنايةً بنفسه وأسرع بيانًا للمقصود وأقطع للحيرة في تحديد ما له وما عليه.
ولا ينبغي أن يترك هذا الأمر ثم يحتاج أن يأتي بعضَ أهله وإخوانه في المنام للتنبيه على أمورٍ يعاني منها في البرزخ ولا يقدر على حلها كما هو معتادٌ في عالم الرؤى، وقد لا يوجد المُعبِّر الذي يحسن التعبير فيبقى يعاني وحده دون أن يهتدي من بعده إلى المطلوب، وثمة أخبار عندي في ذلك لعلي أذكر طرفًا منها في مقامٍ آخر.
ومن الفقه أيضًا أنه إذا كان لديه ما يُوصي فيه أن يكتبه كذلك؛ فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم له شيءٌ يُوصِي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده".
والوصية هنا هي في الأمور المندوبة كما لو كان لديه مالٌ أو عقارٌ ويريد أن ينفق منه شيئًا لوجه الله، أما لو كان عليه دينٌ أو حقٌ أو كان عنده وديعةٌ لزمه الإيصاء بذلك كما ذكر الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم.
وتظهر عناية الشريعة بذلك بذكر الحد الذي قد يتراخى فيه الإنسان وهو ليلتان، وفي رواية المسند ثلاث ليال، وكأن ذكر ذلك جاء لرفع الحرج بسبب تزاحم أشغال المرء ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه.
وتفاعل ابن عمر مع ذلك إذ قال: "فما بت ليلةً منذ سمعتها إلا ووصيتي عندي مكتوبة".
والمقصود أن الرجل يكتب وصيةً ماليةً يذكر فيها ما له وما عليه من الديون والحقوق وما لديه من الأمانات والودائع، ويضع فيها النقاط على الحروف، ويذكر هذا لبعض أهله أو إخوانه، والعاقل لا يفرط في ذلك قط.
أسأل الله أن يقضي دينك ويزيح همك.
July 6, 2026 22.7K 98