أحد مشاهير الدعاة الذين تعرضوا لنوعٍ من "البلاء الشديد" وله جهود دعوية وتربوية نافعة، يتكلم بين فينة وأخرى في مباحث عقدية دقيقة كلامًا بعضه جيد، وبعضه عاطفي لا يصدر عن تحقيق وتدقيق.
لكنه خرج بمقطع مؤخرًا يقول فيه:
1 - إن الأشاعرة لا ينفون الصفات في الحقيقة بل ينكرون هذه التهمة وينفون ذلك عن أنفسهم.
2 - وإن اتهام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله- لهم بذلك كان من باب إلزامهم بلازم مذهبهم، أي أن نفي الصفات لازم مذهبهم، وليس قولهم.
3 - وأن ابن تيمية وابن القيم إنما قالا ذلك من باب التنفيس عن الظلم الواقع عليهم من بعض المغمورين من الأشاعرة، فكأنها ردّة فعل، أو معاملةٌ بالمثل.
وهذا الكلام كله فاسد وباطل، ويدلّ على جهل الرجل في هذا الباب، وأنه يهرف بما لا يعرف.
1- فالأشاعرة: ينفون أكثر الصفات نفيًا حقيقيًّا، فلو سألت أشعريًّا هل ينزل ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا؟ وهل يرضى ويضحك ويرحم ويغضب ويحبّ ويكره حقيقةً؟ هل الله استوى على عرشه حقيقةً؟ هل يتكلم بحرف وصوت؟ هل يُرى يوم القيامة بالأبصار مواجهةً كما نرى الشمس والقمر؟
فجوابه عن كل ذلك إن صدق، هو: ( لا ).
ولكن الأشعري لا يجرؤ على إظهار هذا النفي ابتداءً فيلجأ إلى التأويل والتحريف، فيقول: استوى بمعنى كذا، وينزل بمعنى كذا، ويرحم بمعنى كذا، فيصرفها إلى معاني بعيدة، والتأويل إذا كان له وجه اشتباه -ولو بعيد- في العربية قد يكون مانعًا من التكفير، لكنه لا يغير حقيقةً أن صاحبه من النفاة.
والأشعري لا يعترف هنا أنه ينفي الصفات، لأنه يقول: "هذه ليست صفات أصلا"، فلا يعترف بأنها صفات، ولذلك لا يعترف أنه ينفيها.
2- واتهام أئمة السنة للأشاعرة بالنفي ليس من باب الإلزام باللازم، وإنما هو من باب بيان حقيقة القول والمذهب، فنفي علو الذات هو صريح مذهب الأشاعرة المتأخرين وليس مجرد لازم.
وإنما اللازم من قولهم هو نفي وجود الله أصلا، لأن الذي لا داخل العالم ولا خارجه هو العدم المحض، ونحن لا ننسب إليهم الإلحاد وإنما نقول: هذا لازم مذهبكم.
فلاحظ الفرق بين نفي الصفات الذي هو قولهم، وبين نفي الوجود والذي هو لازم قولهم.
3- وابن تيمية وابن القيم من أكثر العلماء إنصافًا للخصوم، ونهيًا عن التكفير والتضليل بردود الأفعال، فاتهامهم بذلك افتراء عليهم، وجهل بطريقتهم، فكتبهم ناضحة بالدعوة إلى الإنصاف، وانتقاد المخالفين على تكفير من كفّرهم.
والله الهادي.







