حين كنتُ في لعيادة، شدّني مشهدُ ابنٍ في الخمسين من عمره تقريبًا، يمسك يد أمّه الطاعنة في السن، والتي بالكاد تستطيع الوقوف.
كان هذا الابن يحوط أمّه ويحميها؛ يضع يدها على رقبته، ويُجلسها على الكرسي، ويعدّل جلستها، ويذهب ليأخذ نتائج تحاليلها ثم يعود مسرعًا إليها، ويلاطفها ويربّت على كتفها، يعاملها كملكة موقرة ، و تنظر إليه كجيشيها الذي لا يهزم .
أجزم أن المشهد الذي رأيته لم يكن مصطنعًا أو تمثيلًا أمام الناس فقط، ولو كان كذلك لأبدت تلك الأم دهشةً أو تعجّبًا مما يفعله ابنها، لكنها كانت تبدو معتادةً على ذلك؛ ولذلك كان وجهها مرتاحًا هادئًا، تتعامل مع المشهد بطبيعية وأريحية.
قلت في نفسي: هنيئًا لها بهذا الابن البار، أدام الله عليه الهمّة والبرّ وحسن الخلق، هذا المشهد لم ينشأ بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج خمسين عامًا؛ بذلت الأم وضحّت وتعبت وسهرت وربّت، وقدّمت له من الحب والاحترام أضعاف أضعاف ما يقدّمه لها، و النتيجة (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟
هذا الفعل لم يكن ليظهر من ابنٍ لم يرَ المحبة والعطف والاحترام من أمّه؛ فهي التي أعانته، بالدرجة الأولى، على برّها؛ لأنه لم يتعلّم منها إلا الحب والاحترام.
فقلت في نفسي، وأنا أمتع ناظري بهذا المشهد الجميل الذي قلّ نظيره في زماننا، و انأ أدعو لهما بالبركة: حقاّ يهون السهر والتعب والإرهاق مع الأولاد لأجل مثل هذا اليوم، الذي تكون الأم فيه أحوج ما تكون إلى من يسندها نفسيًا ومعنويًا.
فاللهم أعنّا على برّ آبائنا، وارزقنا برّ أبنائنا، وأكرم كل موحّد حُرم الإنجاب بالذرية الطيبة المباركة.







