يتحسر القلب رغبة في إظهار الحق، وهذه الحسرة ليست غريبةً على قلبٍ عرف الرحمة؛ قال تعالى يسلّي نبيَّه ﷺ عن شدة حزنه على المعرضين:
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾،
وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾،
وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.
لكن الموفق الكيّس لا يجعل حسرته تتحول إلى وهمٍ بأنه يملك مفاتيح القلوب. فالعلم مصباحٌ يدلّ على الطريق، وما يصنع المصباح بمن اختار التغميض !
قد يبين للإنسان سبيل الهدى، ثم يختار العمى؛ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
فالهداية قد تكون بيانًا وإرشادًا، وقد تكون توفيقًا ومعونةً على سلوك الطريق، وهذه الأخيرة بيد الله وحده؛ ولذلك قال سبحانه:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فليس كل من عرف الحق أحبه، ولا كل من سمع الدليل قبله؛ إنما العلم سببٌ من أسباب الهداية، فإذا صادف قلبًا صادقًا أشرق، وإذا صادف هوىً وكبرًا وعنادًا صار حجةً على صاحبه. وقد قال تعالى:
﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾،
وقال: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
والحل بأن تعلم أنك مطالبٌ بالبيان، لا بامتلاك القلوب؛ وبالبلاغ، لا بصناعة التأثير.
كانت مهمة الرسل التبشير والإنذار وإقامة الحجة:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾،
وقال تعالى:
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾،
وقال:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
ولهذا نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل في الأمر بالمعروف:
«دَعْهُ؛ إن رددتَ عليه ذهب الأمر بالمعروف، وصرتَ تنتصر لنفسك فتخرج إلى الإثم، فإذا أمرتَ بالمعروف فإن قُبِلَ منك، وإلا فدَعْهُ» [١]
إنما أنتَ ساعي بريد، ومُستقبِل الرسالة إن لم يفتح الباب فاطرقه برفق؛ ثم اترك رسالته أمامه، وامضِ فقد انتهت مهمتك.
————
[١] الأمر بالمعروف للخلال ص٤٨












