كلُّ ما يمرّ بنا يعلمنا أنَّه لا شيء يدوم، وأنَّ البقاءَ للهِ وحدَه، وأنَّنا إليه راجعون، فالعمر ليس سلسلةً من الأحداث المتفرقة، وإنما مدرسة واحدة تتكرر فيها الدروس بأشكال مختلفة.
مرةً يعلمنا الدهر الفقد، وأن ما تعلقت به لم يكن خُلِق للبقاء، ومرةً يعلمنا تغير الأحوال وأن الثبات الذي نبحث عنه لن نجده في الدنيا، ومرةً يكشف لنا رحيل الأشخاص، وانقضاء الأعمار، وتبدل القلوب، طأن هذه الحياة بطبيعتها لا تعرف السكون، وأنها لا تمنح أحدًا عهدًا بالبقاء.
ومع الأيام ندرك أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس ذهاب الأشياء، بل ظنه أنها ستبقى. فإذا بنى قلبه على هذا الوهم، صار كل تغير عنده مصيبة، وكل فقد نهاية، وكل رحيل انكسارًا لا يلتئم. أما إذا أيقن أن الله وحده هو الباقي، وأن كل ما سواه عارية مستردة، استقبل الأقدار بقلب أكثر سكينة، لا لأنه لا يحزن، ولكن لأنه يعرف أن سنة الله في خلقه جارية، وأن ما عند الناس ينفد، وما عند الله باق.
يردّ القرآن في كل موطن إلى هذه الحقيقة الكبرى: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، ويذكره بأن كل محبوب إلى زوال، وكل نعمة إلى تحول، وكل اجتماع إلى افتراق، إلا ما كان موصولًا بالله، فإنه لا ينقطع بانقطاع الدنيا، ولا يزول بزوال أهلها. ولهذا لم يكن قول المؤمن: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ خاصًا بالمصائب، بل هو إعلان دائم عن حقيقة الوجود؛ أننا خرجنا من عند الله، ونعيش بفضله، وسنعود إليه، وأن رحلتنا كلها ليست إلا طريقًا إلى لقائه؛ حتى يرى في تعاقب الأيام تربيةً إلهيةً تخلع من قلبه أوهام الخلود، فإذا جاء يوم الرجوع، لم يكن غريبًا عن وجهته، بل عائدًا إلى الموطن الذي كانت روحه تشتاق إليه منذ البداية.
مقتبس












