هذا ليس تعبًا يا الله؛ فالتعب يعرف طريقه إلى الراحة، أما أنا فلا أعرف أين تنتهي بي هذه الطريق. ثمة شيء في داخلي ينهار ببطء، شيء لا تراه الوجوه ولا تصله الكلمات، كأنني أحمل في صدري مدينة كاملة من الخراب، وأمشي بها بين الناس مبتسمًا؛ فكيف يحمل المرء كل هذا الخراب ولا يسقط؟
يا الله، ماذا يحدث للإنسان حين يطول به الحزن حتى يصبح جزءًا من ملامحه؟ ماذا يفعل حين لا يعود يعرف إن كان يريد النجاة، أم أنه يخاف فقط أن يموت كل شيء فيه؟ ولماذا، كلما ظننت أنني بلغت آخر احتمالي، فتحت لي الحياة بابًا آخر للوجع؟
يا رب، لماذا تؤلمنا أشياء انتهت منذ زمن وكأنها تحدث الآن؟ لماذا تبقى بعض الوجوه في الذاكرة رغم أننا نتمنى لو نستطيع محوها؟ ولماذا نشتاق أحيانًا إلى من كانوا سببًا في انكسارنا؟ وهل أنا ضعيف لأنني تعبت، أم أنني بالغت في احتمال ما لا ينبغي لإنسان أن يحتمله؟
كم مرة وقفت أمام الناس بكامل ثباتي، بينما كنت في داخلي أبحث عن مكان صغير أسقط فيه دون أن يراني أحد. كم مرة قلت: «لا بأس»، وكان في صدري ألف شيء يصرخ: «بل هناك ألف بأس». وكم مرة ابتلعت الكلام حتى صار صمتًا ثقيلًا لا أعرف كيف أخرجه مني.
يا الله، لماذا جفّت دموعي وبقي الألم؟ لماذا أستطيع أن أحتمل العالم كله، ثم أعجز عن احتمال نفسي؟ ولماذا أصبحت الأشياء التي كانت تسعدني تمر أمامي وكأنها تخص شخصًا آخر؟
يا رب، أخاف من شيء أكبر من الحزن؛ أخاف أن أصل إلى مرحلة لا أعود فيها حزينًا ولا سعيدًا، أن تصبح الخيبة عادية، والفرح عابرًا، والفقد شيئًا لا يهزني. أخاف أن يصبح الخراب بيتي، والوحدة لغتي، والصمت طريقتي الوحيدة في النجاة.
فلا تجعلني أعتاد هذا الخراب يا الله، حتى أظنه طبيعتي.
لا تجعل كثرة الخيبات تسرق مني قدرتي على الحب، ولا تجعل قسوة الأيام تطفئ ما تبقى في قلبي من رقة، ولا تجعلني أتصالح مع ألمي حتى أنسى أن لي حقًا في الراحة.
يا رب، إن كان في صدري شيء لا أعرف كيف أصفه، فأنت تعرفه. وإن كان في قلبي كسر لا يعرف أحد موضعه، فاجبره دون أن أضطر إلى شرحه. وإن كانت روحي قد أرهقتها الطرق، فدلها على طريق لا تضطر فيه إلى التظاهر بالقوة.
خذ من قلبي ما أثقله، وأطفئ في رأسي تلك الضوضاء التي لا تنام. امنحني ليلة واحدة لا أحارب فيها أفكاري، وصباحًا واحدًا لا أستيقظ فيه مثقلًا بكل ما مضى. ارزقني طمأنينة لا أخاف أن أفقدها، وسكينة لا تأتي بعدها خيبة، ونورًا صغيرًا يكفيني لأصدق أن هذا الليل ليس أبديًا.
يا الله، لماذا كلما تعلقت بشيء خفت أن أفقده؟ لماذا أصبح الفرح عندي مصحوبًا بالخوف؟ لماذا لا أستطيع أن أحب شيئًا دون أن أتهيأ منذ البداية لغيابه؟ هل علّمتني الحياة أن أفرح بحذر، أم أن كثرة الفقد جعلت قلبي لا يثق في البقاء؟
وهل يمكن للروح أن تعود كما كانت بعد كل هذا؟
يا رب، لا أطلب منك حياة بلا ألم؛ فقد علّمتني بعض الآلام ما لم تعلمني إياه السنوات. ولا أطلب طريقًا بلا عثرات، بل أطلب قلبًا يستطيع أن يحتمل ما كتبته له، وروحًا لا تنكسر كلما ظنت أنها وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا تستريح فيه.
وإن كنت قد وصلت إلى آخر احتمالي، فاجعل رحمتك أول الطريق.
وإن لم أستطع أن أقول لك سوى: «يا الله، تعبت»، فافهم منها كل ما عجزت عن قوله.
فلا تتركني لنفسي؛ لا لذلك الصوت الذي يذكرني بكل ما فشلت فيه، ولا لذاكرة تعيد أمامي كل ما فقدته، ولا ليأس يأتي متخفيًا في هيئة تعب.
خذ بيدي حين أعجز عن أخذها.
كن معي حين لا يكون معي أحد.
افهم صمتي حين تعجز الكلمات.
وأبق في قلبي شيئًا واحدًا يجعلني أتمسك بالغد.
يا رب، لا تجعلني أطلب الموت هربًا من الحياة؛ علّمني كيف أطلب الحياة رغم كل ما فيها. لا تجعلني أعيش لأنني عاجز عن الرحيل، بل اجعلني أعيش لأن في الغد شيئًا لم تره عيناي بعد.
أنا لا أستسلم يا الله، لكنني تعبت من المقاومة.
ولا أكره الحياة، لكنني تعبت من الطريقة التي أعيشها بها.
ولا أطلب المستحيل؛ أطلب فقط شيئًا لم أعد أعرف كيف أصنعه بنفسي:
الطمأنينة.
فإن كان هذا كله امتحانًا، فقوّني عليه.
وإن كان تكفيرًا، فاغفر لي.
وإن كان تأخيرًا لشيء أجمل، فارزقني الصبر.
وإن كان هذا الطريق سيقودني يومًا إلى السلام، فلا تجعلني أضيع قبل أن أصل.
يا الله...
أنا لا أعرف ماذا بقي مني.
لكنني، رغم كل هذا الخراب، ما زلت أرفع يدي إليك.
فلا تدعني أعود منها فارغًا.