زكي مبارك في "مدامع العشاق" :
ألا ليت الذين يكتبون رسائلهم باللغة العامية، يعلمون ما نعلم من جمال اللغة الفصيحة ليعرفوا أنهم يجنون على أنفسهم، وعلى قرائهم إذ يحرمونهم من التطلع إلى جنة الأدب، وقطوفها الدانية، ولو عرضت على كتاب العامية هذا البيت:
إني وإن لم أبح بوجدي
أسر فيك الذي أسرُّ
ثم سألتهم ما فيه من وجوه الحسن لحسبوك من المسرفين، وكيف يفهم جمال هذا البيت من يتدلى إلى اللغة المبتذلة المهلهلة عجزًا عن الكتابة باللغة التي رحبت بثمرات العقول في جميع الأمم الإسلامية، وكانت لغة العالم زمنًا غير قليل.
ولا يحسب واحد من هؤلاء أن الحسن في الأدب لا حد له ولا تعريف، بل هناك حقائق أدبية يرتكز عليها الجمال في الشعر البديع والنثر الجميل، وقاعدة الحسن فيما نحن فيه أن العرب يستملحون بعض ألفاظ الشمول في كثير من المواطن إيذانًا بالتفخيم والتهويل، كلفظة «ما» في قوله تعالى: (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) للدلالة على أن ما عانوه من طغيان الماء يفوق الوصف، ويعجز عنه التمثيل، ومنها قول البحتري:
برَّح بي حبك المعني
وغرَّني منك ما يغر
إذ كانت دواعي الحب، وأسباب العشق، مما يقصر عن إدراكه المحب المفتون، والعاشق المأسور، ومن ذلك لفظة «الذي» في هذا البيت المختار:
إني وإن لم أبح بوجدي
أسرُّ فيك الذي أسرُّ
إيذانًا بأن ما يجنه من اللوعة، وما يكنه من الشوق، أجل من أن يحيط به الوصف، أو يناله البيان!
