الجزء الخامس: النزول في كربلاء وحصار العطش (من 2 إلى 9 محرم 61 هـ)
1. الوصول والنزول في أرض "كرب وبلاء" (2 محرم 61 هـ)
استمر الركب الحسيني بالمسير يرافقه جيش الحر بن يزيد الرياحي، حتى وصل مبعوث عاجل من عبيد الله بن زياد يحمل رسالة شديدة اللهجة للحر، جاء فيها: "أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء".
حاول الحر تنفيذ الأمر وتضييق الخناق على الإمام لإنزاله في مكان قاحل. فتوقفت فرس الإمام الحسين (ع) في أرض ولم تتحرك، فنزل عنها وركب أخرى فلم تتحرك (وفقاً للروايات التاريخية). فسأل الإمام أصحاب الأرض والمنطقة: "ما اسم هذه الأرض؟"
قالوا له: العقر. فقال: "نعوذ بالله من العقر".
قالوا: تُسمى نينوى.
قالوا: تُسمى الطف.
أخيراً قال له رجل: تُسمى كربلاء.
هنا تنفس الإمام الحسين الصُّعداء وقال كلمته التاريخية التي رددتها الأجيال:
"اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَالْبَلَاءِ، هَاهُنَا مَنَاخُ رِكَابِنَا، وَهَاهُنَا مَحَطُّ رِحَالِنَا، وَهَاهُنَا سَفْكُ دِمَائِنَا، وَهَاهُنَا تُنْتَهَكُ حُرِمُنَا، وَهَاهُنَا مَقْبَرَتُنَا، بِهَذَا حَدَّثَنِي جَدِّي رَسُولُ اللهِ (ص)".
ضرب أصحاب الإمام خيامهم، وضرب الحر وجيشه خيامهم قبالتهم في يوم الخميس الثاني من شهر محرم سنة 61 هجرية (أكتوبر 680 م).
2. وصول عمر بن سعد وإغراء "مُلك الريّ" (3 محرم)
في اليوم التالي (3 محرم)، وصل إلى كربلاء عمر بن سعد بن أبي وقاص على رأس جيش يتكون من 4,000 مقاتل.
قصة عمر بن سعد تاريخياً مهمة جداً لبحثك:
عمر بن سعد لم يكن راغباً في قتال الحسين؛ إذ كان عبيد الله بن زياد قد ولّاه حكم منطقة "الريّ" (في إيران حالياً) وكتب له عهده، ولكن عندما تحرك الحسين، قال له ابن زياد: "اسرِ بالحسين، فإذا فرغنا من شغله سِرتَ إلى عملك". عمر بن سعد استعفى، فهدده ابن زياد بسحب صك ولاية الريّ وعزله وهدم داره. دارت في نفس عمر بن سعد معركة بين دينه ودنياه، واختار في النهاية "ملك الري" على حساب دمه الطاهر، وقبل بقيادة الجيش.
حاول عمر بن سعد فتح باب المفاوضات مع الإمام الحسين، وأرسل إليه قرة بن قيس الحنظلي ليسأله: "ما الذي جاء بك؟"
فرد الإمام الحسين رد الحجة الواضحة: "كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم، فأما إذ كرهوني فإني منصرف عنهم". عمر بن سعد فرح بهذا الجواب وكتب لابن زياد يخبره أن الحسين مستعد للرجوع وتنتهي الأزمة بلا قتال.
3. تعنت ابن زياد ودخول "الشمر" على الخط
عندما وصل كتاب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، كاد أن يلين، ولكن كان جالساً عنده شمر بن ذي الجوشن (وهو الشخصية الأكثر دموية وحقداً في القصة). الشمر قال لابن زياد: "أتقبل هذا منه وقد نزل بساحتك؟! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والمنعة ولتكونن أولى بالضعف والعجز! بل ينزل على حكمك".
اقتنع ابن زياد بكلام الشمر، وكتب رسالة حاسمة ومخيفة لعمر بن سعد سلمها للشمر ليحملها بنفسه، وجاء فيها:
"إني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبرء.. فإن نزل الحسين وأصحابه على الحُكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون.. فإن فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا!".
4. جريمة قطع الماء عن مخيم الحسين (7 محرم)
عندما وصل الشمر بالرسالة، خاف عمر بن سعد على منصبه وقرر تنفيذ الأوامر بحذافيرها. وفي يوم 7 محرم، جاء أمر رسمي آخر من ابن زياد يقضي بقطع شريان الحياة عن المخيم: "أن حِل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة".
بعث عمر بن سعد قائداً اسمه عمرو بن الحجاج الزبيدي مع 500 فارس، فاحتلوا ضفاف نهر الفرات (الذي كان قريباً من المخيم) ومنعوا ركب الإمام من الوصول للماء.
بدأ العطش يشتد في مخيم الحسين، وخصوصاً على النساء والأطفال الصغار.
في ليلة من الليالي، أرسل الإمام الحسين أخاه أبو الفضل العباس مع 30 فارساً و20 راجلاً لجلب الماء بحملة فدائية خاطفة. اشتبكوا مع جند ابن الحجاج، واستطاع العباس بشجاعته الفائقة أن يملأ القِرب ويدخل الماء إلى المخيم، فسمي من ذلك اليوم بـ "السَّقَّاء"، لكن هذا الماء لم يدم طويلاً وبقي الحصار مستمراً.
5. يوم تاسوعاء وعرض الأمان الخبيث (9 محرم)
تكاملت الجيوش الأموية في أرض كربلاء حتى وصل عددها وفق الروايات التاريخية المعتمدة (كالطبري والمسعودي) إلى ما يقارب 30,000 مقاتل بين فارس وراجل، في مواجهة جبهة حسينية لا تتعدى 72 إلى مئة رجل!
June 21, 2026 48