الجزء الرابع: الخروج من مكة والمسير نحو العراق (المواجهات الأولى وتغير الموازين)
1. الإحلال من الحج والخروج العاجل (8 ذي الحجة 60 هـ)
قرر الإمام الحسين (ع) الخروج من مكة في يوم 8 ذي الحجة (يوم التروية)، وهو اليوم الذي يتوجه فيه الحجاج إلى مِنى لتبدأ مناسك الحج الفعلية. الإمام حوّل حجّه إلى "عمرة مفردة" وتحلل من إحرامه وخرج عاجلاً.
لماذا خرج في هذا التوقيت الحرج بالذات؟
المصادر التاريخية تذكر سببين أمنيين وسياسيين خطيرين:
خطة الاغتيال داخل الحرم: وصلت للإمام معلومات مؤكدة بأن يزيد بن معاوية دزّ قوة عسكرية بقيادة عمرو بن سعيد بن العاص تحت غطاء "الحجاج"، وحملوا سلاحهم تحت الإحرام، وكانت الأوامر تقتضي باغتيال الحسين حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
حفظ حرمة مكة: الإمام كان يرفض تماماً أن تسفك الدماء في حرم الله المحرم. وفي حواره مع عبد الله بن الزبير قبل خروجه، قال الإمام عبارته الشهيرة: "والله لأن أُقتَل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتَل داخلاً منها بشبر... وإني لا أريد أن أستحلّ حرمة البيت".
"والله لأن أُقتَل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أُقتَل داخلاً منها بشبر... وإني لا أريد أن أستحلّ حرمة البيت".
2. نصائح المقربين واللقاء بالفرزدق
حاول الكثير من وجهاء الصحابة والتابعين ثني الإمام الحسين عن الذهاب للعراق لمعرفتهم بغدر أهل الكوفة، ومنهم عبد الله بن عباس (الذي بكى كثيراً وتوسل بالإمام أن يذهب لليمن بدلاً من الكوفة)، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية. لكن الإمام كان يجيبهم بأن الأمر قد قُضي، وأن هناك تكليفاً إلهياً وتاريخياً يدفعه للحركة.
عند خروجه من حدود مكة (في منطقة الصفاح)، التقى الإمام الحسين بالشاعر المعروف "الفرزدق" الذي كان قادماً من العراق. فسأله الإمام عن حال الناس هناك، فقال الفرزدق مقولته التاريخية التي اختصرت الواقع النفسي والسياسي للكوفة:
"يا ابن رسول الله، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء".
فقال الإمام: "صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد".
3. محطة "زرود" وانضمام زهير بن القين
استمر الركب بالمسير في الصحراء، ومرّوا بعدة محطات مائية (منازل). وفي محطة تُدعى "زرود"، حدث تحول مهم جداً. كان هناك رجل من وجهاء الكوفة اسمه زهير بن القين البجلي، وكان عثماني الهوى (أي لم يكن من شيعة علي تاريخياً)، وكان يحاول طوال الطريق تجنب النزول في المكان الذي ينزل فيه الحسين.
لكن في "زرود"، جمعهم المأوى واضطر زهير للنزول قريباً من معسكر الإمام. أرسل الإمام الحسين رسولاً يطلب حضور زهير. زهير تردد، ولكن زوجته الصالحة (دَلهَم بنت عمرو) دفعته وقالت له: "أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت كلامه".
ذهب زهير إلى خيمة الإمام، ولم يمضِ غير وقت قصير حتى عاد زهير إلى زوجته وأصحابه ووجهه يشرق نوراً، وقرر فجأة تطليق زوجته وتسريحها لأجل سلامتها، وقال لأصحابه: "من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو الآخر [أي الفراق].. إني قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بنفسي وأقيه بروحي". فتحول زهير إلى واحد من أعظم قادة معركة كربلاء لاحقاً.
4. صدمة محطة "الزُّبالة": وصول خبر استشهاد مسلم
في محطة تُسمى "الزُّبالة"، وصلت للإمام الحسين (ع) الرسالة الكارثية المأساوية التي غيرت مسار الرحلة بالكامل؛ وصله خبر مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وكذلك مقتل رسوله الآخر قيس بن مُسهِر الصيداوي (الذي أرسله الإمام من الطريق للكوفة فقبض عليه ابن زياد ورماه من أعلى القصر لأنه رفض سبّ علي والحسين).
بكى الإمام الحسين بكاءً شديداً وبكى معه أهل بيته، وضجت الخيام بالعويل، وعرفوا أن الكوفة سقطت بالكامل بيد السلطة الأموية.
5. الغربلة الكبرى والتمحيص (خطبة إبراء الذمة)
هنا تصرف الإمام الحسين (ع) بأعلى درجات الصدق والنزاهة الأخلاقية والسياسية التي لا نجدها عند قادة الحروب؛ لم يخفِ الخبر عن الناس ليحافظ على عددهم، بل جمع كل من التحق به من الأعراب وطلبة الغنائم في الطريق، وخطب فيهم قائلاً:
"أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع؛ مقتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وقيس بن مسهر الصيداوي، وقد خذلتنا شيعتنا! فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، ليس عليه مني ذمام".
المصادر التاريخية تقول إن الأعراب الذين اتبعوه طلباً للعافية والغنائم بدأوا يتفرقون يميناً وشمالاً، حتى لم يبقَ معه إلا صفوة أصحابه الذين خرجوا معه من مكة وأهل بيته ونفر قليل ممن التحقوا به عن عقيدة. الإمام أراد جيشاً عقائدياً يفهم معنى الشهادة، ولا يريد أرقاماً فارغة.
June 21, 2026 49