الجزء الثالث: رسائل الكوفة وسفارة مسلم بن عقيل (تحول الجبهة السياسية)
1. إعصار الرسائل من الكوفة إلى مكة
بينما كان الإمام الحسين (ع) مقيماً في مكة المكرمة (من شعبان إلى ذي الحجة)، كانت الكوفة تغلي. الكوفة تاريخياً كانت عاصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وكان فيها تيار قوي يرفض الحكم الأموي.
بمجرد أن علم أهل الكوفة بموت معاوية ورفض الإمام الحسين لبيعة يزيد وخروجه إلى مكة، اجتمع وجهاء الشيعة في بيت سليمان بن صُرَد الخزاعي، واتفقوا على مراسلة الإمام. أرسلوا إليه الوجبة الأولى من الرسائل، وجاء في متنها:
"إنا لا نُبايع يزيد بن معاوية، وليس علينا إمام، فأقْبِلْ إلينا، لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير (والي الكوفة وقتها) في قصر الإمارة، لسنا نجمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد...".
توالت الرسائل بكثافة مرعبة؛ المؤرخون (كالطبري وابن الأثير) يذكرون أنه في بعض الأيام كان يصل للإمام الحسين مئات الرسائل، حتى اجتمع عنده صناديق من كتب أهل الكوفة (قُدِّرت بـأكثر من 15,000 رسالة)، وكلها تحمل نفساً واحداً: "لقد اخضرّت الجنابة، وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جندٍ لك مجندة".
2. قرار الإمام الحسين: إرسال مسلم بن عقيل
أمام هذا الكم الهائل من الرسائل والعهود والمواثيق، وجد الإمام الحسين (ع) أنه من الواجب الشرعي والسياسي إقامة الحجة والاستجابة لطلب الأمة، لكنه لم يشأ أن يتحرك بكامل عائلته وثقله بناءً على رسائل فقط دون تثبت ميداني.
هنا اختار الإمام ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان رجلاً شجاعاً، حكيماً، وموضع ثقة مطلقة. حمله الإمام رسالة جوابية لأهل الكوفة جاء فيها:
"أنا باَعِثٌ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كَتَبَ إليّ أنه قد اجتمع رأي مَلئِكم وذوي الفضل والحِجى منكم على مثل ما قَدِمت به عليّ رُسُلكم، أَقْدِمُ إليكم وشيكاً إن شاء الله".
3. مسلم بن عقيل في الكوفة والبيعة الشاملة
خرج مسلم من مكة في منتصف شهر رمضان سنة 60 هـ، ودخل الكوفة في 5 شوال. نزل أولاً في بيت المختار بن أبي عبيد الثقفي (ثم انتقل لاحقاً لبيت هانئ بن عروة لحسابات أمنية).
بمجرد وصول مسلم، بدأت الوفود الشيعية والكوفية تتقاطر عليه. قرأ عليهم رسالة الإمام الحسين فبكى الناس وبايعوه.
المصادر التاريخية تذكر أن عدد الذين بايعوا مسلم بن عقيل في غضون أسابيع قليلة تراوح بين 18,000 إلى 40,000 شخص.
الوالي الأموي على الكوفة (النعمان بن بشير الأنصاري) كان رجلاً يميل للمهادنة ولم يشأ استخدام القوة، فخطب بالناس خطبة لينة لم تؤثر فيهم.
أمام هذا النجاح الساحق والاستقرار الظاهري، كتب مسلم بن عقيل رسالة عاجلة للإمام الحسين (ع) يطلب منه التعجيل بالقدوم، وقال له فيها: "إن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فالعجل العجل حين يأتيك كتابي".
4. التدخل الأموي: تعيين عبيد الله بن زياد وانقلاب الموازين
الوضع في الكوفة أقلق الموالين لبني أمية هناك (مثل عمر بن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسلم الحضرمي). هؤلاء كتبوا رسائل عاجلة ليزيد بن معاوية في دمشق يحذرونه: "إن كان لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك ويعمل عملك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف".
يزيد استشار مستشاره (سرجون بن منصور الرومي)، فأشار عليه بتعيين عبيد الله بن زياد (والي البصرة وقتها والمشهور بالقسوة والبطش) والياً على الكوفة أيضاً ليجمع المصرين (البصرة والكوفة) تحت حكمه. أمر يزيد ابن زياد بالتوجه فوراً للكوفة والقضاء على حركة مسلم بن عقيل.
5. الخدعة والدخول المرعب لابن زياد
دخل عبيد الله بن زياد الكوفة متخفياً؛ حيث لبس عمامة خضراء وتلثم، ودخل في عدد قليل من جنده ليلاً. أهل الكوفة عندما رأوه ظنوا أنه الإمام الحسين (ع) قد وصل، فجعلوا يحيونه ويصيحون: "مرحباً بك يا ابن رسول الله". ابن زياد كان يستمع ويتحرق غيظاً حتى وصل إلى قصر الإمارة، وهناك كشف عن وجهه وصاح فيهم، فصُعق الناس وعرفوا أن القيادة تغيرت.
بدأ ابن زياد فوراً بتطبيق استراتيجية الحرب النفسية والقبضة الأمنية الشديدة:
استخدام سلاح المال والترهيب: جمع وجهاء العشائر الكوفية (العرفاء) وهددهم بقطع العطاء (الرواتب) وإعدام المخالفين، وتسيير جيش الشام إليهم إن لم يستخرجوا الغرباء والمبايعين لمسلم.
اختراق جبهة مسلم: أرسل جاسوساً داهية اسمه "معقل" يحمل أموالاً، استطاع التغلغل في أوساط الثوار حتى عرف مكان مسلم بن عقيل في بيت الزعيم الكوفي الكبير هانئ بن عروة المذحجي (الذي كان يملك نفوذاً عشائرياً هائلاً بقبيلة مذحج).
June 21, 2026 39