وتطبيقاً لذلك فإنه ينبغي : - استثمار مكانة مكة المكرمة ، استثماراً يعود على الأمة بالعزة والسؤدد والفهم الوسطي للإسلام ؛ لأنها مركز الإشعاع الروحي والفكري للأمة الإسلامية . - وكذلك استثمار الجامعات الكبرى مثل : جامعة الأزهر الشريف ، و جامعة أم القرى بمكة المكرمة ، و الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، و جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان ، والتي تجمع طلاباً من جميع أنحاء العالم ؛ لتكون مركزاً لتبليغ الرسالة المحمدية إلى كل العالم . سابعاً : عادة الله - تعالى - بالمؤمنين في أمره ونهيه ، مخالفة مشتهاهم : كما قال - تعالى - للمؤمنين في معرض اختلافهم في الغنائم :{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( الأنفال : 1 )، وقوله : { وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } ( الأنفال : 5 ) . ومن ذلك قوله - تعالى - : { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } ( النور : 30 ) . فإن غضهم من النظر عما لا يحلُّ النظر إليه ، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين ؛ أطهر لهم عند الله وأفضل [10] . وكما قال - سبحانه - في فرض القتال : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ( البقرة : 216 ) . « والإسلام يحسب حساب الفطرة ؛ فلا ينكر مشقة هذه الفريضة ، ولا يهوِّن من أمرها ، ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها وثقلها ؛ فالإسلام لا يماري في الفطرة ، ولا يصادمها ، ولا يُحرِّم عليها المشاعر الفطري التي ليس إلى إنكارها من سبيل ، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر ، ويسلط عليه نوراً جديداً ؛ إنه يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ، ولكن وراءه حكمة تُهوِّن مشقته ، وتُسيغ مرارته ، وتُحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير ، عندئذٍ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ، ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهبُّ منها ريح رخيَّة ؛ عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور ، من يدري ؟ فلعل وراء المكروه خيراً ، ووراء المحبوب شراً . إن العليم بالغايات البعيدة ، المطَّلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده ؛ حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة [11] . فوائد ذلك تربوياً ودعوياً : - أن يتولى الدعاة توضيح ما في أحكام الله من خير للنفس البشرية ، وإن بدا في الظاهر أنها شر . - أن يفطن المربون والدعاة إلى ما يشتهيه المدعوون ، ومحاولة اتباع المنهج القرآني في مخالفة ما تشتهيه النفس البشرية ؛ حتى لا تصبح النفوس أسيرة لشهواتها ؛ فيصعب عليها القيام بواجب الاستخلاف والعمارة في الأرض ، وهذا ما أشار إليه عمر بن الخطاب ؛ فعن جابر بن عبد الله ، قال : رأى عمر بن الخطاب لحمًا معلقًا في يدي ، فقال : ما هذا يا جابر ؟ قلت : اشتهيت لحماً فاشتريته ، فقال عمر : أوَكلما اشتهيت شيئاً - يا جابر ! - اشتريت ؟ أما تخاف هذه الآية :{ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا } ( الأحقاف : 20 ) [12] . وفي الختام : كانت هذه جولة مختصَرة على ما أردنا الإشارة إليه . نسأل الله الهداية والسداد ، وتفهُّم القرآن ، والعمل بما فيه في جميع مناحي الحياة . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (1) مختار الصحاح : ص 220 . (2) تاج العروس : 1/2150 . (3) سنن أبي داود ، في حسن العشرة (4156) . (4) شرح النووي على مسلم : 5/ 72 . (5) سورة النساء : آية (43) والمائدة : آية (6) . (6) سنن أبي داود ، ما جاء في إسبال الإزار : (3566) . (7) تفسير الطبري : 17/ 120 . (8) تفسير القرطبي : 7/ 331 . (9) السعدي : ص620 . (10) تفسير الطبري : 19/ 154 . (11) في ظلال القرآن : 1/ 202 . (12) أخرجه : الحاكم في المستدرك : 2 / 455 .
وتطبيقاً لذلك فإنه ينبغي : - استثمار مكانة مكة المكرمة ، استثماراً… — الشيخ أحمد عبد الصمد — TG.ME
December 20, 2025 943