نور الله وأفواههم تأمّلات لغوية في آيتين تكرّر في القرآن الكريم الحث… — الشيخ أحمد عبد الصمد — TG.ME

نور الله وأفواههم تأمّلات لغوية في آيتين تكرّر في القرآن الكريم الحث الصريح على تدبّر القرآن والتأمل في دلالاته وألفاظه ، فقال - جل وعلا - : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ } (النساء : 82) ، ووُصف كتابُ الله - تعالى - بأنّه : ( لا يخلَق عن كثرة الردّ ، ولا تنقضي عجائبه ) ، فهو الكتاب العَجَب البديع الفائق في مفاده ، وهو المنهل الذي لا تنتهي أسراره ، ولا تُحصى أوجه الروعة والإعجاز فيه . وإنّ مِن تدبُّرِ كتاب الله - تعالى - وقوفَ التأمل أمام نسجه المحكم ، والخَضَعَ ( وهو التطامن في العنق ) والإنصاتَ في محراب إعجازه البياني، وأسلوبه المتقن ؛ لاستظهار لطائفه اللغوية ، وأسراره التي لا تنقضي . وفي الوقفات الآتية محاولة للدّرَج في مراقي التعبّد بالتأمّل المأجور في لطائف القرآن اللغوية ، من خلال النظر في آيتين تتفقان في غالب ألفاظهما ، وتختلفان في بعض الألفاظ التي تعطي مزيداً من الدلالات الدقيقة ، وتضيف إلى المعنى العام فيهما مجموعة من المعاني اللطيفة ، وهما قول الله - تعالى - : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ { (التوبة:32)، وقوله - تعالى - : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ { (الصف : 8) . الوقفة الأولى : نور الله وأفواههم : قبل الحديث عن هذه الوقفة ، أودّ أنْ أذكّر القارئ الكريم بأن النحويين يقرّرون في كتبهم عند بيان مسائل باب الإضافة ؛ أن المضاف يتأثر باتصاله بالمضاف إليه ، ويكتسب منه أموراً عديدة ، أوصلها بعضهم إلى أحد عشر أمراً . ومنها ما يكتسبه المضاف من معاني الشرف أو الضَّعَة من المضاف إليه ، فإذا قيل لك مثلاً : دخلتُ بيت الأمير ، تخيّلت قبل أن ترى البيت أنه مسكن كبير مشرف مشرق ، تزيّنه ملامح الفخامة والإتقان المعماري . أمّا إذا قيل لك : دخلت بيت الفقير ، تخيّلت بيتاً صغيراً ضيّقاً ، أنهكه تتابع السنين ، فبدا كاسفاً كئيباً . فالمضاف في المثالين واحد ، وهو كلمة ( بيت ) ، ولكن الأول اكتسب الرفعة والشرف من المضاف إليه : ( الأمير ) ، أما الثاني فتأثر بمعاني الحاجة ودلالات العَوَز التي يحملها المضاف إليه : ( الفقير ) . إذا اتّضح هذا الأصل ، فلنعد للتأمل في الآيتين : ففي قوله - تعالى - فيهما : { نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } إضافتان : إحداهما إضافة النور إلى الله - تعالى - : { نُورَ اللَّهِ } ، والمراد به دين الإسلام ، والأخرى إضافة الأفواه وهي الآلة المستعملة للإطفاء إلى جماعة المريدين لإطفاء النور : { بِأَفْوَاهِهِمْ } . وعند التأمل في الإضافة الأولى : { نُورَ اللَّهِ } نجد أن النور المضاف قد اكتسب قدراً من خصائص القوة والعظمة والشرف والعلو والبقاء من المضاف إليه ( الله ) ، فأنت تستشعر حينما تتلو : { نُورَ اللَّهِ } أن الحديث عن نور يستمدّ قوته وعظمته وكماله من ( الله ) القوي العظيم الكامل ، ونور يتسامى رفعةً وشرفاً وعلواً ؛لأنه يكتسب علوّه من ( الله ) العلي ،ونور باقٍ دائم كبير قد أضاء الأفق وامتدت به المساحات ، وانتشر سناه لينير مسارح الطَّرْف ومنتهى البصر . وبعد الشعور بهذه العظمة التصويرية تأتي الإضافة الأخرى : { بِأَفْوَاهِهِمْ } بإضافة الأفواه الضعيفة إلى نفر من البشر المخلوقين الضعفاء ، فالمضاف فيها وهو كلمة : ( أفواه ) على ما فيه من الضعف العضوي والعضلي يزداد ضعفاً من خلال إضافته إلى الضمير المتصل ( هم ) العائد إلى أولئك المخلوقين المهازيل . وهذا من عجيب البيان ؛ إذ يجمع أمرين : أحدهما : التهكم بإرادتهم وزعمهم أنّه نور ضعيف يمكن أن ينطفئ بمجرّد النفخ ، والآخر : تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم ؛ فهم بالمقارنة مع قوة الخالق العظيم ضعفاء مهما أوتوا من قوة ، ومحدودون مهما استعملوا من آلة وأداة ؛ فكيف إذا كانت أداة الإطفاء أفواهَهم ؟إنك حينما تقف وقفة التأمل التصويري هذه تشعر بالأسى والشفقة على هؤلاء ؛لأنك تشاهد أمامك نوراً عظيماً عالياً قد ملأ محيط النظر ، ثم تلتفت إلى زاوية سفلية من زوايا المجال البصري لترى عدداً من الأقزام الصغار ، قد مدّ كل واحد منهم فمه ، وكوّر شفتيه ، ورفع رقبته عالياً ، وبدأ ينفخ وينفخ ، وربّما تجد بعضهم قد اعتلى أكتاف بعض ليصل بنفخه إلى أعلى ما يستطيع من المدى ، ظانّين أنهم قادرون على إطفاء النور ، في محاولات عبثية بائسة يائسة أمام ذلك النور العظيم المتنامي . الوقفة الثانية : الإرادة المستمرة : اتّفقت الآيتان بالبدء بالفعل المضارع : { يُرِيدُونَ } الذي يدل على الحدوث والتجدّد في الحاضر والمستقبل ، ولم يأتِ التعبير بالفعل الماضي ( أرادوا ) الذي يدل في الأصل على انقضاء حدوث الفعل في الزمن الماضي .

December 20, 2025 421