أنا حين أكتب عن مشكلة أحاول أن أفتح طريقًا لمعالجتها. إذا شخصنا ضعف القانون نبحث عن كيفية تقوية المؤسسة. وإذا قلنا إن العشيرة تزاحم الدولة نسأل كيف نعيد بناء المواطنة. وإذا وجدنا فجوة بين الخطاب الديني وسلوك المتدين نراجع التربية والمنبر والمؤسسة. التشخيص بداية الإصلاح لا نهايته. المرآة مهمة لأنها تكشف للإنسان وجهه لكننا بعد أن نرى الخلل نحتاج إلى أن نغسل الوجه ونعالج الجرح.
ربما هنا يختلف مشروعي عن الوردي. هو كان بارعًا في أن يقول للمجتمع هذه صورتك. وأنا أريد بعد رؤية الصورة أن أسأل المجتمع ماذا سنفعل الآن. وهذا لا يقلل من قيمة التشخيص بل يبني عليه.
ومن الأمور التي أقدرها في الوردي جرأته. كتب في زمن كانت الكتابة في بعض المساحات خطرة. لم يغازل صورة المجتمع عن نفسه ولم يخف من اعتراض رجال الدين أو القوميين أو المحافظين أو المدافعين عن المثالية الاجتماعية. والرجل الذي يكتب ما يرضي الجميع لا يقدم فكرًا في الغالب بل يقدم تعزية جماعية.
ومع ذلك تعرض إلى عداء أراه في كثير من الأحيان غير مبرر. الرد العلمي حق بل ضرورة. لكن بعض الردود انطلقت من الغضب لأنه وصف ظواهر لا يريد الناس الاعتراف بها. من حق الباحث أن يقول إن الوردي بالغ هنا أو أخطأ هناك. لكن عليه أن يقرأ المشروع أولًا. لا يصح أن تترك خوارق اللاشعور ووعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري والأحلام بين العلم والعقيدة ومنطق ابن خلدون ودراسة في طبيعة المجتمع العراقي ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ثم تحاكم الرجل من جملة سمعتها في مجلس.
هذه واحدة من مشكلات مجتمعنا المعرفية. كثير من الناس لا يقرؤون. يسمعون. ثم يتحول السماع عندهم إلى رأي والرأي إلى حكم نهائي. وأنا في «هكذا فهمتهم» لا أقدم قراءة لكتاب واحد ثم أحكم على صاحبه. أقرأ مشروع الشخصية ما استطعت ثم أضع الكتب إلى جوار بعضها وأبحث عن التحولات والتناقضات والإضافة الحقيقية. وهذا ما فعلته مع علي الوردي. لم أقرأ عبارة الازدواجية ثم أقرر أن الرجل عبقري أو مخطئ. قرأت ما كتب في النفس والاجتماع والتاريخ ومنهج ابن خلدون والأحلام واللاشعور.
وقد سمعت في أحد البرامج قصة لا أتذكر الآن راويها بدقة. قيل إن بعض السفراء أو الدبلوماسيين كانوا يقرؤون كتب علي الوردي قبل عملهم في العراق حتى يفهموا المجتمع الذي سيأتون إليه. وسئل الوردي لماذا يقرأ الأجانب كتبك فقال بما معناه إنهم مثقفون ويريدون أن يعرفوا البلد الذي يعملون فيه بينما كثير من أهل البلد لا يقرؤون. لا أنقل العبارة بوصفها نصًا ثابتًا لأنني لم أرجع الآن إلى اللقاء الأصلي. لكن معناها يصدق على واقع نراه. الغريب يريد أن يعرف كيف يفكر العراقي فيقرأ من درس العراق. والعراقي يكتفي أحيانًا بجملة متداولة عن الازدواجية ثم يقول إنه يعرف علي الوردي.
ومن القضايا التي تهمني كذلك أمانة النقل. لقد رأيت بعض مقالاتي تنقل حرفيًا ثم يحذف اسمي ويوضع اسم آخر. وسمعت خطباء يرددون كلامًا قلته بنصه من دون إشارة. الأعمال لله سبحانه وتعالى والفكرة تفرح صاحبها حين تنتشر وتنفع الناس. لكن الأخلاق تقتضي أن ننسب الكلام إلى صاحبه. كما أقول الآن هذه الفكرة لعلي الوردي ولا أدعي أنها من اكتشافي. من حق الناس أن تبني على أفكار غيرها لكن من العيب أن تمحو صاحب الفكرة ثم تقدمها كأنها ولدت في ذهنك.
وقد كتبت سابقًا مقارنات بين علي الوردي وعلي شريعتي. ومع تقديري الكبير لشريعتي وجدت الوردي في بعض المساحات أكثر اتزانًا في قراءة المجتمع. شريعتي يمتلك حرارة عالية وقدرة على إيقاظ الجمهور وصناعة الحماسة. أما الوردي فيقف أمام الظاهرة بمسافة أكبر ويحاول أن يشخصها. ولا أقول هذا تعصبًا للعراقي على الإيراني. لكن عندنا أحيانًا مشكلة في تقدير مفكرينا. نحتفي بالاسم القادم من الخارج ونمر على ابن بلدنا لأن قربه يجعلنا لا نرى حجمه.
أنا أحب أن يأخذ العراقي حقه حين يستحقه. وعلي الوردي يستحق أن يقرأ داخل العراق وخارجه. ليس لأنه عراقي بل لأن الأسئلة التي طرحها لا تخص العراق وحده. لماذا يقول الإنسان شيئًا ويفعل شيئًا آخر. لماذا تفشل المواعظ أحيانًا في تغيير المجتمع. كيف تعمل العصبية. كيف يعيش الإنسان بين قيم متعارضة. كيف يتغير المجتمع أسرع من أفكاره. وكيف تؤثر البيئة في سلوك الفرد الذي يظن أنه يتصرف بحرية كاملة.
وجمالية كتب الوردي أنها لا تثقل على القارئ. تقرأ البحث الاجتماعي وكأنك تقرأ رواية. يدخل إليك من قصة ثم يفتح الفكرة ويضع المثال ثم يعيدك إلى الواقع. وهذه قدرة لا يملكها كل أكاديمي. بعض الباحثين يكتبون بطريقة لا يفهمها إلا عدد قليل ثم يشتكون من ابتعاد الناس عن المعرفة. أما الوردي فقد جعل علم الاجتماع قريبًا من البيت والمقهى والصحيفة ومجلس الناس.
September 7, 2026 81