الشيخ مجيد العقابي: بسم الله الرحمن الرحيم
منارات 4
الجمعة
حين يتحول الاختلاف إلى خصومة
كان الإنسان في المجالس القديمة يختلف مع صاحبه ثم يعودان إلى بيتيهما من غير أن يحمل أحدهما الآخر في قلبه أيامًا طويلة. أما اليوم فقد صار الرأي جزءًا من صورة الإنسان عن نفسه، فإذا ناقشه أحد شعر كأنه ناقش كرامته أو انتماءه أو تاريخه كله. ولهذا تتحول جملة عابرة إلى معركة، ويتحول السؤال إلى اتهام، ويصبح التراجع عن بعض التفاصيل عند كثير من الناس علامة ضعف بدل أن يكون أثرًا طبيعيًا للتعلم والنضج.
الاختلاف في أصله لا يفسد العلاقة، لأن الناس لم يخلقوا بنسخة واحدة من التجارب والمعارف والطباع. قد نقرأ الواقعة نفسها فنرى فيها وجهين، وقد نختلف في تقدير الأولويات أو في اختيار الوسيلة أو في فهم كلام قيل في ظرف خاص. المشكلة تبدأ حين نخلط بين اختلاف الفكرة وفساد النية، فننتقل من مناقشة ما قاله الإنسان إلى محاكمته هو، ونستعمل تاريخًا قديمًا أو زلة عابرة لنمنحه حكمًا نهائيًا لا يسمح له بأن يشرح نفسه أو يغير موقفه.
وفي حياتنا الدينية والثقافية يحتاج الاختلاف إلى أمانة أكبر، لأن العبارة قد تُنسب إلى عقيدة أو جماعة أو رمز، فيشعر السامع أن قبولها أو رفضها امتحان للولاء. لكن احترام المقدسات لا يعني أن نمنح كل رأي يصدر باسمها حصانة من السؤال، كما أن نقد رأي لا يبيح السخرية من صاحبه أو التشكيك في إيمانه. نحن نحتاج إلى أن نفرق بين النص الذي له حرمته، وبين فهم الإنسان للنص، وبين الموقف الذي يتشكل من ظروف اجتماعية وسياسية قد تتغير. هذا التفريق يحمي الحقيقة من التوظيف ويحمي الناس من أن يصبحوا أسرى لعبارات أطلقوها في لحظة انفعال.
وقد يدخل الهوى إلى الخصومة من باب الرغبة في الانتصار. لا يعود هدف المتحاور أن يعرف الصواب، بل أن يحرج الطرف الآخر أمام الحاضرين، فينتقي من كلامه ما يسهل الرد عليه ويترك ما يحتاج إلى بحث. وقد يستعمل نبرة العالم وهو لم يقرأ المسألة إلا من جهة واحدة، أو ينقل جملة مبتورة لأنه يعرف أن تمامها يضعف حجته. هذا السلوك قد يمنح صاحبه تصفيقًا سريعًا، لكنه يترك في المجتمع خوفًا من الكلام الصريح، ويعلم الناس أن السلامة في إخفاء ما يفكرون به ومجاملة الأقوى.
وإذا أردنا أن نربي أبناءنا على الحوار فعلينا أن نريهم كيف نختلف نحن. لا يكفي أن نطلب منهم الهدوء ونحن نرفع أصواتنا عند أول اعتراض، ولا أن نحدثهم عن احترام الرأي ثم نعاقب من يخالفنا في البيت. الطفل يتعلم من الطريقة التي نستقبل بها الملاحظة أكثر مما يتعلم من النصائح التي نلقيها عليه. حين نقول له أخطأت في هذا الموضع لكنك محق في موضع آخر، نعلمه أن الإنسان يمكن أن يحمل صوابًا وخطأً في الوقت نفسه. وحين نعتذر عن قسوة صدرت منا، نفتح له بابًا لا يحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسه بالكذب والعناد.
ولا يعني حفظ الود أن نتنازل عن الحق أو نسكت عن ظلم. هناك مواقف يحتاج فيها الإنسان إلى كلمة واضحة وإلى حماية الضعيف وإلى رفض التبرير. لكن وضوح الموقف لا يستلزم إهانة المخالف، والمحاسبة لا تحتاج إلى تشفٍّ، والابتعاد عن علاقة مؤذية لا يعني تحويل صاحبها إلى مادة للتشهير. نستطيع أن نقول هذا خطأ، وأن نضع حدًا للتجاوز، وأن نطلب إصلاح الضرر، مع إبقاء باب الرجوع مفتوحًا لمن صدق في مراجعة نفسه. أما حين نجعل العقوبة الاجتماعية دائمة فإننا ندفع الناس إلى إخفاء أخطائهم بدل إصلاحها.
وأرى أن من علامات النضج أن نعرف متى يستحق الخلاف وقتًا طويلًا ومتى يكفي أن نتركه يمر. ليست كل كلمة تحتاج إلى رد، ولا كل اختلاف يحتاج إلى جمهور، ولا كل نقاش ينتهي بإقناع أحد الطرفين. أحيانًا يكون حفظ العلاقة أهم من تسجيل نقطة، ويكون الصمت المؤقت فرصة لعودة العقل إلى مكانه. وإذا اضطررنا إلى الكلام فليكن كلامنا على قدر المسألة، لا نضيف إليه ما يوقظ أحقادًا قديمة ولا نستدعي أسماء لا صلة لها بالموضوع.
إن المجتمع الذي يحسن إدارة اختلافه يستطيع أن يتعلم من تنوعه، أما المجتمع الذي يحول كل رأي إلى معسكر فيبقى يدور حول نفسه. فلنختلف من غير أن نلغي إنسانية المختلف، ولنطلب الدليل من غير أن نحتقر السائل، ولنترك لمن أخطأ فرصة أن يصلح ما أفسده. فالحق لا يحتاج إلى صراخ يحرسه، والإنسان لا يكبر بإجبار الآخرين على تكرار صوته، وإنما يكبر حين يستطيع أن يسمع ما لا يوافقه ثم يزن الكلام بإنصاف.
مركز الفكر للحوار والإصلاح
الشيخ مجيد العقابي
18/9/2026
رابط صفحة الشيخ مجيد العقابي على فيسبوك
https://www.facebook.com/100002121732820
رابط قناة واتساب
https://chat.whatsapp.com/IsIqnx8EDgh1GZNSQpXVxR?s=cl&p=i&mlu=0&ilr=4
رابط قناة تلغرام
https://t.me/iljnaan
الشيخ مجيد العقابي: https://www.facebook.com/share/p/14oWWLjmyR1/?mibextid=wwXIfr
1September 18, 2026 44