بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا فهمتهم (٢٦)
علي الوردي: عالم الاجتماع الذي تغيّر في عيني كلما تغيّرتُ أنا
هكذا فهمت الدكتور علي الوردي. والحقيقة أنني لا أستطيع القول إنني قرأته مرة واحدة حتى لو كنت قد أعدت بعض كتبه مرات كثيرة. أنا قرأته في ثلاث محطات من حياتي وكان في كل محطة يظهر لي بصورة مختلفة. الكتب هي الكتب والعبارات هي العبارات لكن القارئ الذي دخل إليها لم يكن واحدًا. في المرة الأولى قرأته شابًا صغيرًا متحمسًا يحمل تصورًا شديد المثالية عن الدين والمجتمع والأخلاق. وفي المرة الثانية قرأته بعقل بدأ يتسع للمعرفة والأسئلة. أما في المرة الثالثة فقد قرأته بعد أن دخلت المجتمع وعرفت المؤسسات والناس وعشت العمل الثقافي والديني والإعلامي واحتككت بالواقع كما هو لا كما نرغب أن يكون. عندها فقط بدأت أفهم لماذا كتب علي الوردي ما كتب ولماذا أغضب كثيرين وما الذي أصاب فيه وما الذي بالغ فيه.
كنت في المرحلة المتوسطة حين وصلت إليّ بعض كتاباته. وكنت يومها شابًا متدينًا شديد الغيرة على الحلال والحرام والشرف والعفة. أميل إلى الانطواء وأرى المجتمع بعين أخلاقية حادة. الصواب عندي واضح والخطأ واضح ولا توجد بينهما تلك المساحات الرمادية التي يكتشفها الإنسان بعد أن يعيش الحياة ويعرف أثر البيئة والمال والخوف والسلطة والتربية في سلوك البشر. لذلك اصطدمت بعلي الوردي ولم أفهمه على حقيقته. وأذكر من قراءتي الأولى أنه نقل تجربة رآها أو سمعها في إحدى الجامعات الغربية عن إتاحة قدر من الاختلاط بين الشبان والفتيات تحت نظر المؤسسة بدل أن يقع ما يقع بعيدًا عنها. وقارن ذلك بما يحدث في بعض المجتمعات التي تفرض قيودًا شديدة ثم يزداد فيها الفساد الخفي. كانت الفكرة يومها بالنسبة إليّ كارثة فكرية وأخلاقية. كيف ينقل الرجل هذا الكلام وكيف يناقشه وكأنه يستحق النظر. لم أفرق وقتها بين أن يصف عالم الاجتماع ظاهرة وبين أن يدعو إليها. وكنت أظن أن من يعرض تفسيرًا لسلوك اجتماعي إنما يتبناه ويوافق عليه.
واليوم عندما أتذكر تلك القراءة أدرك أن المشكلة لم تكن في غيرتي ولا في تمسكي بالقيم. هذه أمور ما زلت أعتز بها. المشكلة كانت في أنني كنت أقرأ كل سؤال بوصفه تهديدًا وكل مقارنة بوصفها دعوة إلى تقليد الطرف الآخر. الشاب المتحمس يريد من العالم أن يؤكد له ما يعرفه سلفًا. أما الباحث فيريد من العالم أن يضع أمامه ما لم ينتبه إليه. والإنسان في الخامسة عشرة يحتاج إلى اليقين قبل أن يتعلم كيف يحتمل التعقيد. لكن الخطر أن يكبر العمر ويبقى العقل في المرحلة نفسها.
بعد ذلك توسعت قراءتي لعلي الوردي ووقعت بيدي كتب أخرى له. وكان كتاب خوارق اللاشعور من الكتب التي شعرت بسعادة حقيقية وأنا أقرؤها. هذا الكتاب عندي يختلف عن الصورة التي حُصر فيها الوردي بوصفه ناقدًا للمجتمع العراقي. فيه بحث في العقل والنفس واللاشعور وطريقة استقبال الإنسان للأفكار الجديدة وما يفعله الإطار الفكري في رؤيته للعالم. وأذكر منه الفكرة التي يشرح بها كيف ينكر الناس الاختراعات الجديدة لأن عقولهم لم تألفها. كانوا لا يصدقون أن الصوت يمكن أن يصل من جهاز صغير ويتصور بعضهم أن شخصًا يختبئ في مكان قريب ثم اعتادوا المذياع. ولما جاء التلفاز استغربوه ثم اعتادوه. وهكذا يرفض الإنسان اليوم ما يصبح غدًا جزءًا من حياته العادية.
قد لا تكون التفاصيل التي بقيت في ذاكرتي مطابقة لكل ألفاظ الكتاب بعد هذه السنين لكن المعنى ظل حيًا عندي. الإنسان لا يرفض الشيء دائمًا لأنه باطل بل قد يرفضه لأنه لا يجد له مكانًا داخل صورته القديمة عن العالم. وحين تتغير الصورة يصبح ما كان مستحيلًا عنده أمرًا مألوفًا. هذه الفكرة تجاوزت عندي قضية الاختراعات إلى الفكر والدين والمجتمع. كثير من الناس لا يناقشون الفكرة الجديدة بل يدافعون عن حدود عالمهم القديم. فإذا عجزوا عن فهمها أنكروها وإذا عجزوا عن ردها هاجموا صاحبها.
في هذه المرحلة بدأت أرى أن علي الوردي لا يكتب أدبًا ساخرًا عن المجتمع كما يصوره بعضهم. كان يملك حسًا معرفيًا وأنثروبولوجيًا مهمًا. يسأل كيف تتكون شخصية الإنسان وكيف تؤثر فيها البيئة وكيف تصنع الجماعة يقينياتها وكيف يتحول المألوف إلى حقيقة في نظر الناس حتى لو لم يكن له دليل كاف. صحيح أن أسلوبه أدبي وسلس وأن القارئ يشعر وهو يقرأه كأنه يسير داخل رواية لكن جمال الأسلوب لا يعني غياب البحث. بل كانت قوته أنه أخذ قضايا اجتماعية ونفسية معقدة وأخرجها من القاعات الجامعية إلى القارئ العام.
أما القراءة الثالثة فقد جاءت بعد أن تغيرت أنا. دخلت المجتمع وعملت في مجالات متعددة واحتككت بالمؤسسات ورأيت الصراع على المواقع والنفوذ ورأيت كيف يتحدث بعض الناس عن القيم ثم يتصرفون بطريقة مختلفة حين تتصل القضية بمصلحتهم. رأيت السياسة والعشيرة والمنبر والإعلام والعمل الثقافي والديني من الداخل. وعندها عدت إلى علي الوردي فوجدت أن كثيرًا مما كان يستفزني في شبابي صار يفتح أمامي أسئلة حقيقية.
1